أم جنان وفجيعة الموت.. رحل الأحباء واحدا تلو الآخر (قصة حقيقية)

علياء الجردانية- شؤون عمانية

شيء ما يحوم حول أم جنان، فشحوب وجهها الحنطاوي ونظراتها الحائرة وارتباك يديها وتوترها ينم عن شيء ما سيحدث، لطالما كانت تؤمن بمشاعرها التي لا تخيبها أبدًا.

تردد وهي تمسك مقبض الباب قاصدة التوجه إلى منزلها قائلة: أخاف أن أفقد أمي وأصبح وحيدة من بعدها، وتتابع بنوع من الاضطراب والقلق وهي تنظر إلى ساعتها: بعدما عدت من سفري اتجهت من المطار إلى المشفى مباشرة لرؤية أمي، فما كان لي سوى أن أجهش بالبكاء أمام وجهها لا إراديًا، رغم محاولة حبس دموعي التي كنت أحبسها منذ سنوات عديدة حتى لا تتأثر حالة أمي الصحية.

وبعد ترخيصها من المشفى توجهت أم جنان مسرعة إلى منزل والدتها الذي يبعد مسافة 60 كيلومترا عن مقر منزلها، لعل أن يهدأ بالها برؤيتها أمام عينيها، فلم تكن تعلم بأن قبضتها القوية تلك لمقبض الباب ستكون بمثابة الكبس على أنفاسها حينما رأت أمها طريحة الفراش.

أم جنان امرأة في الثلاثين من عمرها، توفي أبوها وهي في عمر الزهور (10 سنوات)، أثناء أدائه لمناسك الحج وقد دفن هناك بوصاية من والدتها، وقد ترك خلفه 4 أولاد وبنتين تولت أمورهم، وذهبت بهم للسكن في مكان بعيد عن أهل والدهم وتحملت عناء ومسؤولية تربيتهم فهي بمثابة الأب والأم لهم.

وتعلّق أم جنان على ذلك بقولها: لم تكن تشعرنا بالنقص والحاجة قط، فقد كانت تفدينا بنفسها وتسخر جل طاقاتها لرعايتنا وتصارع من أجل توفير كل ما يلزمنا.

مضت السنوات الثقال وقد كبر الأولاد وجاء وقت رد الجميل لهذه الأم المعطاء فما كان منهم إلا أن يغمروها بفضلهم ومالهم وقد حصدت ما زرعت طوال تلك السنين.

وفي عام 2017 تلقت أم جنان خبر وفاة أختها الوحيدة إثر سكتة قلبية أودت بحياتها، فقد كانت محتسبة أمرها لربها وتقول في هذا الحدث وقلبها يعتصر ألمًا وحزنًا: فقدت أعز أخت والتي دائمًا ما كانت تغمرني بحنانها فهي بمثابة أمي الثانية.

وتستذكر والابتسامة على شفتيها: كانت في كل يوم ميلادي تفاجئني وتحتفل بي مع أولادها، ثم صمتت للحظة وأكملت: بعد وفاتها لم تكن للحياة أي طعم فقد تدهورت حالة أمي الصحية كثيرًا وأخاف أن يصيبها شيء ويصيبني أضعافه.

مضت أم جنان وقتها في رعاية أمها رغم ارتباطها بعمل ومنزل، واضطرت في أيام كثيرة أن تأخذ إجازات طارئة وسنوية لخدمة أمها والوقوف معها خاصة عندما يتم تنوميها في المستشفى.

مضت السنوات وهي تتماثل بالتعافي رغم شحوب وجهها الدائم وعينيها المتعبتين دائمًا، وفي 2019 تلقت خبر وفاة أخيها كصاعقة أخرى حلّت على بيت أهلها.

تقول ونظرات الإشفاق في عيونها: إنه من أفضل أخوتي الذي أعزه كثيرًا، ثم تمتمت كلماتها المقتضبة قائلة: الصالحون لا يعيشون كثيرًا في هذه الحياة، سرعان ما يرحلون للدار الآخرة.

كانت تخبئ صورته على سطح مكتبها في العمل، علّها تشفي جروحها واشتياقها كلما نظرت إليه، والتي تهرع في لحظات عديدة لتفقدها.

تسترسل في وصف حالة أمها بقولها: لم تتشافى أمي بعد من خبر وفاة أختي فكيف لها أن تتحمل خبر وفاة أخي الذي ترك من بعده أيتاما يصارعون الحياة بمفردهم.

ترك الابن من بعده طفلا يبلغ من العمر 7 سنوات وطفلة تبلغ من العمر ٥ سنوات ورضيعة تيتمت ولم تهنأ بعد من حنان أبيها حيث تبلغ من العمر بعضة أيام آنذاك، وقد كانت أمها تكفلهم وتكفل أبناء ابنتها وكذلك أبناء ابنها المتوسط التي توفيت زوجته منذ فترة طويلة.

هرعت أم جنان إلى منزل أمها حيث رأتها في حال يرثى لها، وقد استعانت بأبناء خالها لنقل أمها إلى أقرب مستشفى، والصدمة كانت قد أصيبت أمها بسكتة قلبية وسرعان ما تم عمل الإنعاش لها وقد أفاقت وهي تردد اسم ابنتها في إشارة منها أن تكون بجانبها، ثم تدهورت حالتها مرة أخرى وقد تم نقلها إلى مستشفى في العاصمة مسقط، وهناك كانت محطتها الأخيرة أغمضت عيناها إيذانًا برحيلها لدار الخلد.

تقول أم جنان ودموعها تعيقها: أثناء نقلنا لأمي كانت تستلقي في الكرسي الخلفي وكانت تريدني أن أقترب منها وكأنها تشعر بأنها ستودعني، فقد وضعت يدي على صدرها والأخرى مسكت بيدها علّها تطمئن من قربي منها.

كان خبر وفاتها بمثابة توقف حياة أم جنان، حيث بقي الخبر مصدر حزن وذكرى لا تخلو من مرارة، تقول وعيناها تمتلئان بالدموع: موتها أفجعني كثيرًا فقد أصبحت وحيدة من بعدها، كانت جامعة وكافلة للأيتام (أبناء إخوتها وأختها) واليوم قد تركت من بعدها أيتاما ومسؤوليات كثيرة ملقاة على عاتقي وعاتق أخواني.

اليوم تمضي أم جنان حياتها راضية ومحتسبة أمرها لربها حيث تقول بنبرة حزن: كلما توجهت إلى منزل والدتي لا يروق لي النوم إلا في فراشها فذلك يشعرني بوجودها معي، هي حولي دائمًا أينما حللت ورحلت.

صمتت هنيهة ثم واصلت لا أقبل بمناداتها بالمغفورة، سأظل أردد دائمًا بـ”أمي”.