بدر بن سالم العبري يكتب: الرّحلة التّكساسيّة (14)..اليوم الأخير من المؤتمر وتسجيل حلقة حول تجربة كردستان العراق في التّعايش الدّيني


بدر بن سالم العبري 


في صباح يوم الأحد في الخامس والعشرين من أغسطس عملنا THECK OUT في نزل MOTRL 6، ثمّ ذهبنا إلى فندق المؤتمر للفطور، وقبل بداية جدول عمل اليوم الأخير من المؤتمر طلبت من الأستاذ بارازان باران رشيد تسجيل حلقة يوتيوبيّة حواريّة حول تجربة كردستان العراق في التّعايش الدّيني، في برنامج حوارات الحلقة السّابعة والخمسين، في السّاعة التّاسعة صباحا، وبثت على قناة أنس اليوتيوبيّة يوم الثّلاثاء السّابع والعشرين من أغسطس.


وسبق ترجمة الأستاذ بارازان باران، وما حدث بيننا من تواصل حتّى اليوم، وهو شخصيّة وحدويّة كثير التّواضع، وعظيم المعرفة، وكردستان العراق كما رأينا في الرّحلة الشّيكاغيّة فيها ثمان ديانات، فضلا عن الطّرق الصّوفيّة، والتّوجهات المعاصرة، وبينهم تعايش كبير، لهذا أردنا توثيق هذه التّجربة من العالم العربي.


في البداية تحدّث الأستاذ بارازان باران أنّ كردستان العراق جزء من الحكومة العراقيّة المركزيّة، وهو أيضا أقليم خاص له حكومة خاصّة، وبرلمان ورئاسة إقليم خاصّة أيضا، وعدد سكان كردستان العراق حوالي خمسة ملايين نسمة، خمس وتسعون بالمائة، وقيل سبع وتسعون بالمائة حسب المصادر الأخرى من المسلمين، وأغلب هؤلاء على الفقه الشّافعيّ، وفيه الطّرق الصّوفية المتنوعة أشهرها النّقشبنديّة والقادريّة، والنّاس هناك بطبيعتها متصوّفة، منهم من لديه شيخ أو طريقة، ومنهم من يحمل تصوّفا داخليّا بعيدا عن الطّرق.


وفيه مكوّنات أخرى من الزّرادشتيين والمسيحيين والصّابئة المندائيّة والكاكائيين والإيزيديين والبهائيين والقليل من اليهود، كما يوجد العرق التّركماني النّازحين إلى أربيل بعد حرب داعش من بغداد والفلوجة والأنبار والمناطق السّنيّة بشكل عام، وأعدادهم كبيرة.


وعاصمة كردستان العراق أربيل، ويتكون من أربع محافظات: محافظة كركوك وهي متنازع عليها دوليا، وتشمل مكوّنات دينيّة وعرقيّة متنوعة من العرب والكرد والتّركمان، ومن الشّيعة والسّنة والكاكائيّة، ثمّ محافظة أربيل وهي كما أسلفنا عاصمة كردستان العراق، والمحافظة السّليمانيّة، ومحافظة دهوك.


واللّغة الرّسميّة في الأقليم عموما اللّغة الكرديّة، كما توجد مدارس باللّغات الأخرى كالعربيّة والفارسيّة والتّركيّة والإنجليزيّة، وعموما يوجد تداخل كبير في المفردات بين العربيّة والكرديّة، خصوصا كانت أغلب المدارس من الستينيّات حتّى بداية التّسعينيات من القرن العشرين باللّغة العربيّة، [أدّى إلى تداخل كبير في المفردات بين اللّغتين]، وبعد انتفاضة شعب كردستان أصبح التّعليم باللّغة الكرديّة.


ولغة الخطابة في المساجد عموما اللّغة الكرديّة، ولكن عند بعض المساجد الّتي يكثر فيها النّازحون تكون نصف الخطبة بالعربيّة، ونصفها الآخر بالكرديّة، والخطب في الأقليم مكتوبة من قبل وزارة الأوقاف، حيث فيها لجنة خاصّة لخطب الجمعة، وفي كلّ جمعة ثلاثة عناوين للخطيب حريّة اختيار المناسب له وللجامع، وله حق الإضافة على الخطبة المكتوبة في إطار العنوان، وتركز الخطبة على القواسم والعنوانات المشتركة بين أفراد المجتمع كالإنسان والسّلم والصّدق ونحوها، شريطة أن لا تكون بعيدة عن واقع النّاس؛ لأنّ الخطبة تجسّد هذا الواقع.


وللفتوى في كردستان العراق لجنة خاصّة تابعة لاتّحاد علماء المسلمين الكردستاني، وفي داخل الاتّحاد لجنة افتاء كردستان، والفتوى لا تكون فرديّة وإنّما بشكل جماعي حيث يتجاوزن عشرين مفتيا من كبار العلماء والمجتهدين.


ووزارة الأوقاف في الأقليم في بداية التّسعينيات كانت باسم وزارة الأوقاف والشّؤون الإسلاميّة، ثمّ تحولت إلى وزارة الأوقاف والشّؤون الدّينيّة، لتشمل الأديان الأخرى، وكانت للمسيحيّة فرع خاص في الوزارة، وفي 2011م فتحت مديريتان: مديريّة الشّؤون المسيحيّة، ومديريّة الشّؤون الإيزيديّة، وفي عام 2013م فتحت مديريّة خاصّة لشؤون الأديان، مسجل فيها ثمانية أديان رسميّة، تتضمن هذه المديريّة على التّسلسل التّالي: المديريّة العامّة لشؤون المسلمين، والمديريّة العامّة لشؤون المسيحيين، والمديريّة العامّة لشؤون الإيزيديين، وتوجد فيها ممثليات لباقي الأديان المتبقية؛ لأنّ أعدادهم قليلة جدّا في الإقليم.


وتعتبر الدّيانة الإيزيديّة الدّيانة الثّانية بعد الإسلام في الإقليم؛ لأنّ أغلب المسيحيين بعد حرب داعش هاجروا إلى خارج العراق، وقد كانت الثّانية بعد الإسلام.
وأمّا مع التّيارات المعاصرة الخارجة عن الأديان كالرّبوبيّة و الّلاأدريّة؛ فالشّعب الكردي متسامح في داخله، ويتعايش مع الآخر، مهما كان توجهه العقدي.


ومع هذا توجد أصوات نشاز تدعو إلى الكراهيّة مع الآخر، ونتخوّف منها كأي مجتمع آخر متعايش، إلا أنّها قلّة لا يتقبلها الشّعب الكردي، حيث اعتاد من داخله على التّعايش والتّسامح، خاصّة كما أسلفنا النّاس بفطرتهم متصوّفة، والتّصوف يدعو إلى المحبّة والتّعايش مع الآخر، لهذا نعيش حالة من الاطمئنان والتّفاؤل.


وبعد تسجيل هذا اللّقاء السّريع حضرنا ورقة الأستاذة سويدا معاني يوبنغ، وهي محامية متخصّصة في القانون الدّولي، ومديرة مؤسسة السّلام والحكم العالمي، وكانت ورقتها في التّاسعة والنّصف صباحا بعنوان: الحلول المبدئيّة للمشاكل العالميّة، وأدارت الجلسة الأستاذة هند التّميمي.


وتحدّثت الأستاذة سويدا معاني يوبنغ أنّ العالم يعاني من أزمات متجدّدة وبشكل مستمر كالإبادة الجماعيّة، والتّغيير المناخي وتهديده لحياة النّباتات والحيوانات والبشر، فمليون صنف من النّباتات مهدّدة بالانقراض، فضلا عن الأوبئة وتهديداتها، والأزمات المالية، والهولوكست النّووي، ومشكلة اللّاجئين والتّشريد والفقر، والتّعامل مع هذا الأزمات يكون عن طريق النّفعيّة يزيدها ضررا تحت مسميات كالوطنيّة والأنانيّة والانعزاليّة والتّحيزات الفئويّة.


مثلا: قرار حكومة الإكوادور في استدانة أموال كبيرة من الصّين لبناء سد يلبي احتياجات الدّولة من الطّاقة، وبالتّالي تخفيف درجة الفقر بين السّكان، ولكن لم تنتبه الإكوادور والصّين أثناء التّوقيع أنّ السّد بني أسفل منطقة بركانيّة، وبعد عامين من انتهاء بنائه حدث للسّد تصدّعات تجاوزت سبعة آلاف تصدّع، ممّا جعله غير فعال، ولم يساهم في حلّ الفقر بل زاد من معدّله، فلم تستطع الإكوادور سداد الدّين المترتب عليها مع الصّين، واحتفظت الصّين اليوم بقيمة ثمانين بالمائة من صادرات الإكوادور من النّفط.


والمثال الثّاني القرار الّذي اتخذته اليابان بعد كارثة هورشيما النّوويّة، ورغبة منها في تخفيف الهلع والقلق الّذي أصيب به اليابانيون بعد هذه الحادثة وعدت اليابان بإغلاق تسع وثلاثين من أصل أربع وخمسين محطة للطّاقة النّوويّة، ووفرت ثلاثين بالمائة من الكهرباء عن طريقها، وهذا جعلها تبحث عن وسائل بديلة للطّاقة، فهي ثالث مستهلك للكهرباء بعد الصّين وأمريكا، ولكونها لا تملك المصادر الطّبيعيّة للطّاقة كالنّفط والغاز بدأت تستورد ذلك من الخارج، ولكن هذا ساهم بشكل أكبر في الانحباس الحراري الّذي يهدد الحياة البشريّة اليوم، فكانت اليابان نموذجا في دفع ذلك إلى أن أصبحت جزءا من المشكلة.


والسّؤال: ما الحل بدل النّفعيّة؟ الحل وجود منهج عالمي جديد مبني على تأسيس مبادئ مشتركة للعلاقات الدّوليّة، أي تحت مسمّى الأخلاقيّات العالميّة المشتركة، وأهم هذه المبادئ وحدة الشّعوب والدّول، وهذا ينبني أنّ منفعة الجزء (الدّولة) لا يتحقق إلا بمنفعة الكل (جميع الدّول)، وينبني أيضا أنّ الوطنيّة غير المقيدة أصبحت من الماضي، أي الوطنية القائمة على مصلحة دولة معينة بعيدا عن مصلحة الدّول الأخرى، ويتضح هذا مثلا من التّوزيع غير العادل للثّروات الطّبيعيّة، فنجد من الدّول الّتي تملك هذه الثّروات تمنع الدّول الأخرى من الاستفادة لكونها تملك الموقع الجغرافي، وهذا يعني لابدّ من تحقيق المساواة والعدالة المتمثلة في حكومة وطنيّة عالميّة عليها أن تجعل جميع الشّعوب والدّول تستفيد من هذه الثّروات، وهذه الحكومة الوطنيّة الواحدة منتخبة ديمقراطيّا من جميع الدّول، همّها مصلحة العالم أجمع بعيدا عن الأحادية، ولابدّ من حل أزمة الفيتو الّتي جعلت لخمس دول فقط من أصل مائة وثلاثة وتسعين دولة، حيث يملك أعضاؤها سلطة غير عادلة فيما يتعلق بالدّول الأخرى، فالفيتو يجسّد النّفعيّة السّلبيّة واستخدامها بشكل متكرر.


وتحدّثت أنّ اللّجوء إلى القوة لا يستخدم إلا في حالة تحقيق العدالة فقط، فعلى الدّول أن تتنازل في استخدام القوة في العلاقات الدّولية، وتكون لأجل منفعة جميع الدّول وليس لهيمنة دول معينة يدعمها حق الفيتو أو المصالح النّفعيّة السّلبيّة.


ثمّ كانت جلسة الاستراحة، وبعدها حلقة النّقاش بإدارة الأستاذ عمرو حسني، ثمّ تأملات المشاركين وكلمة ختام المؤتمر، وبعدها ودعنا الجميع، ولكون الأستاذ بيان مرتبطا عملت جولة مشي طويلة في المنطقة مع الغداء، وفي العصر انطلقنا من شيكاغو متوجهين إلى تكساس، وشاركنا الرّجوع الأستاذ بارازان باران، ورجونا أن يشاركنا الأستاذ محمود روحاني أيضا لكنّه اعتذر لظرف الطّيران مع رغبته في المشاركة، وعموما استفدنا كثيرا من الأستاذ بارزان، وكان بيننا حديث طويل حول جوانب فكريّة ودينيّة اختصر لنا الطّريق، لنصل دالاس قبيل المغرب يوم الاثنين في السّادس والعشرين من أغسطس.