بدر بن سالم العبري يكتب: الرّحلة التّكساسيّة (10)..زيارة المتحف الّذي يحكي قصة اغتيال رئيس

بدر بن سالم العبري

في صباح يوم الأحد الثّامن عشر من أغسطس بعد الفطور طلب منّي الأستاذ بيان أن أشاركهم في حلقات النّاشئين، فاعتذرت له لأنّي أريد حضور قدّاس الأحد، فذهبت إلى كاتدرائيّة الأمل في منطقة Cedar Springs؛ لقربها من النّزل، ولأنّها لبراليّة قد لا يسبب وجودي حرجا أو تساؤلا.


وصلت إلى الكاتدرائيّة مبكرا، ووجدت النّاس تتوافد إلى الكنيسة، ويحضرون معهم أطفالهم، ولعلّها لدروس الأحد المتعلقة بالأطفال، مع أنّ الكاتدرائيّة تحوي أماكن مخصّصة للعب الأطفال، ولدور الأيتام، وتعليم الأطفال والنّاشئين، ووجدت النّاس تحضر معها صدقات ماديّة من أحذية وملابس وأغراض أخرى لتوزيعها على المحتاجين والمشردين.


وعلمت لاحقا أنّ هذه الكاتدرائيّة وغيرها من الكنائس لكثرة من يأتي إليها يوم الأحد تعمل أكثر من قدّاس؛ لأنّه لو عملوا قدّاسا واحدا لازدحم المكان، ومع أنّها كنيسة ليبراليّة لكنني وجدت الكراسي شبه ممتلئة في قاعتها الكبيرة والأنيقة والنّظيفة.
فجلست في الوسط، وكان في يسار الكنيسة من الأعلى الفرقة الموسيقيّة، ولهم لباس معيّن، ويأتون بألحان روحانيّة تضيف جمالا على المكان، كما رأيت الأغلب من كبار السّن، مع وجود فئة لا بأس بها من الشّباب، وقليل من صغار السّن.


هنا دخل مجموعة من الخدم والشّماسين يتقدّمهم القس نيل سيزر في صف منتظم عن يمينه ويساره، وكان دخوله مع الموسيقى، ووقف الجميع يرددون دعائهم مع أصوات الموسيقى، والقس تقدّم حيث القربان المقدّس، وليس للقربان غرفة خاصّة كما في الكنائس الأرثذوكسيّة مثلا، فقط طاولة فيها القربان من خبز وخمر، ويدور حولها، والنّاس في ذكرهم ودعائهم، ثمّ جلسوا وألقى فيهم القس خطبة طويلة لم أفهم غالبها لأنّي لا أتقن الإنجليزّية جيّدا، وبعد خطبته أيضا وقف النّاس مع ألحان الفرقة الموسيقيّة، وهنا وجدتهم يمررون صندوقا صغيرا لمن أراد التّبرع.


وبعد هذا ذهب النّاس للسّلام على القس ومن معه من الخدم والشّماسين، ووجدته يلقمهم من القربان المقدّس، ورأيت السّعادة في وجوههم، وكل يسلّم على الآخر وذكرني حال الانتهاء من صلاة الجمعة، لكن هنا نظام بديع، الكل يرجع إلى مكانه، ثمّ وقفوا جميعا مع ألحان الفرقة الموسيقيّة ونشيدها، وخرج القس مع خدمه وشماسه إلى الخارج، ووقف عند الباب، والنّاس صفوفا يودعهم واحدا واحدا، وهنا سلّمت عليه، وصافحني بحرارة شديدة مع ابتسامة وترحيب كبير، ويعلم أنني مسلم، ولكن لم يسألني أبدا عن سبب مجيئي؛ لأنّه يرى المحبّة للجميع.


وبعد هذا كانت ساعة فراغ حتّى يبدأ القدّاس الثّاني، فذهبت إلى مكتبة الكاتدرائيّة، ثمّ ذهبت إلى الحديقة، وكان فيها ممشى، ومشيت فيها متأملا تنسيقها وجمالها، ومتأملا نظافتها، ثمّ حضرت القدّاس الآخر، فكان كالأول عدا اختلاف وجوه من حضر.


ثمّ رجعت إلى النّزل، وأخذنا جولة عامّة في دالاس، وفي مساء يوم الاثنين، التّاسع عشر من أغسطس، تحديدا بعد الظّهر ذهبنا إلى منطقة Downtown Dallas، وهي المقابل لمنطقة Uptown Dallas، ومنطقة Downtown Dallas تعتبر المنطقة القديمة في دالاس، وفيها عمارات شاهقة، ومزدحمة بالسّياح، لذا طرقها مزدحمة، ومواقف السّيارات فيها قليلة، لذا أخذنا وقتا حتّى نجد موقفا، لنذهب إلى المتحف الّذي يحكي مقتل الرّئيس الأمريكي جون كينيدي في الثّاني والعشرين من نوفمبر عام 1963م.


والرّئيس جون كينيدي هو الرّئيس الخامس والثّلاثون في أمريكا، وانتخب في العشرين من يناير 1961م، ورغم أنّه لم يرأس أمريكا عدا سنتين؛ إلا أنّه كان من أشهر رموز من حكم أمريكا، كما أنّه من أشهر الرّموز في الحزب الدّيمقراطي الأمريكي، وأبوه جوزيف باتريك [ت 1969م]، من كبار الأثرياء والدّبلوماسيين الأمريكيين.


وأصل كينيدي من ولاية ماساتشوستس من أسرة كاثوليكيّة، وشارك في الحرب العالميّة الثّانية [1939 – 1945م] في الجانب البحري جبهة المحيط الهادئ، أصدر كتابه الأول: Why England slept? في فترة مبكرة من حياته، كما فاز في مجلس الشّيوخ الأمريكي كمنافس للحزب الجمهوري.


ساهم كنيدي في إصلاحات اجتماعيّة واقتصاديّة وقانونيّة في أمريكا، ممّا جعله محبوبا من الجميع، مع وسامته وقربه من الكل، إلا أنّ فترة رئاسته توافقت مع الحرب الباردة مع الاتّحاد السّوفييتي، ومع حركات التّحرر الشّيوعي في كوبا وفيتنام.


قرر كنيدي زيارة دالاس لأغراض سياسيّة في الثّاني والعشرين من نوفمبر عام 1963م، بيد أنّه حذّر من الزّيارة، لما تمثله تكساس حينها من عدم استقرار، لوجود المعارضين ضدّه فيها من المتعصبين الجمهوريين، بجانب الحركات اليساريّة، إلا أنّه قرر الذّهاب مع زوجته جاكلين كينيدي [ت 1994م]، وصاحبهم من المطار حاكم ولاية تكساس جون كونالي [ت 1993م].


وفي احتفال مهيب، وحضور حشد كبير لاستقباله، وبما أنّ الجوّ كان صحوا يومها، فتح كنيدي غطاء سيارته، لتصيبه ثلاث رصاصات في السّاعة الثّانية عشر والنّصف ظهرا من قبل الماركسي الأمريكي هارفي أوزوالد [ت 1964م]، ليفارق كنيدي الحياة قرب الواحدة ظهرا.
والماركسي الأمريكي هارفي أوزوالد ذاته قتل في مقر الشّرطة في دالاس، وعلى الهواء مباشرة!!!


عموما وصلنا إلى المتحف عند الخامسة عصرا؛ لكن للأسف وجدناه مغلقا، ولعلّهم يغلقون مبكرا يوم الأحد، ولم تأت فرصة أخرى لزيارته، وفكرة المتحف لها جانب اقتصادي وسياحي، فمن جهة يحكي القصّة صوتا وصورة وشرحا وافيا، مع أخذ السّائح إلى الأماكن الّتي قتل فيها كنيدي، وكيف أطلق عليه الرّصاص، وكأنّه حاضر المشهد، فلا زالت صدمة الذّاكرة باقية، كما أنّ المتحف يستثمر الذّاكرة اقتصاديّا وسياحيّا.


ثمّ ذهبنا إلى مطعم قريب للغداء، وبعدها أخذنا جولة مشي، وعند محطّة المطار رأينا أمريكيين سود البشرة، أجسامهم أفريقيّة ضخمة، ينادون بصوت مرتفع، وفي أيديهم الكتاب المقدّس لدى المسيحيين، ولمّا رأوني نادوني بقوّة أن أحضر إليهم وأقرأ من الكتاب المقدّس، فخشيت الاقتراب منهم، وهنا ذهب الأستاذ بيان، فيطلبون منه أن يقرأ نصوص ما يتعلق بعلاقة بني إسرائيل في فلسطين، فاكشفنا لاحقا أنّها جماعة مسيحيّة متعصبة، ترى أحقيّة اليهود في فلسطين، وأنّها الأرض الموعودة لهم، وإشكاليّة مثل هذه القراءات للنّصوص المقدّسة أنّها تجعلها في دائرة الإطلاق، خاصّة النّصوص المتعلقة بالشّخوص والبلدان والقبائل والأجناس، فهي ظرفيّة بالكليّة، ومثلها عندنا قوله تعالى عن بني إسرائيل: {يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ} [البقرة/47]، هذا التّفضيل ظرفي لأداء الأمانة، ولا يعني أنّ بني إسرائيل مميزون في الجنس البشري، فهذا يتعارض مع رسالات الأنبياء ذاتها، ومنها رسالة موسى عليه السّلام، ولو نزلت هذه الآية في أتباع محمّد عليه السّلام لكان الحكم واحدا، ومنها قوله تعالى: {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} [آل عمران/110]، فالخيريّة هنا ليست خيريّة جنس، ولكن خيريّة أداء أمانة، فهي متعلقة بسببها، وتدخل في السّنن المجتمعيّة، وأيّ أمّة تؤدي هذا الدّور من الأمانة كانت الخيريّة معها، كانت الأمّة عربيّة أم أعجميّة.


ثمّ ذهبنا إلى منطقة بلينو في ضيافة الأستاذة هيلين فرهاني، وهي امرأة بهائيّة عاشت فترة طويلة في دولة الإمارات العربيّة المتحدة، ولهجتها إماراتيّة، وتعشق الإمارات، وتحن بالعودة إليها، وهنا شربنا معها القهوة الإماراتيّة.


وقد كان للأستاذ بيان موعد معها؛ حيث عندها جلسة مشورة، والمشورة من أهم عناصر الجامعة البهائيّة بعد مشرق الأذكار في الجانب المجتمعي، وجاء في ألواح حضرة بهاء الله: “إنّ سماء الحكمة الإلهيّة مستضيئة ومستنيرة بنيرين: المشورة والشّفقة، تمّسكوا بالمشورة في جميع الأمور، فهي سراج الهداية، إنّها تهدي السّبيل، وتهب المعرفة”، والمشورة من التّشاور، وهنا يتشاورون في الاحتفال الّذي سيقيمونه بمرور مائتين عام على ولادة الباب عليّ محمّد الشّيرازيّ [ت 1850م]، حيث ولد في 20 أكتوبر 1819م، وهو المبشر عندهم ببهاء الله الميرزا حسين عليّ [ت 1892م]، وسبق الحديث عن البهائيّة بتفصيل في الرّحلة الشّيكاغيّة.


والاحتفالات حينها بمولد الباب في 29 و30 أكتوبر 2019م، وكانت لي كلمة في الجانب الإنساني في الاحتفال الّذي أقامه الأستاذ فريد أحمد عبد الوهاب من البحرين في منزله في مسقط بعد رجوعي، وقد أعدّ البهائيون في دالاس حفلا كبيرا في بهائي سنتر، وكان على الأستاذ بيان إعداد بطاقات الدّعوة، وشاورني في تصميمها، وتشاوروا فيها، وفي توجيه الدّعوة إلى أصحاب الأديان وغيرهم من الشّخصيات السّياسيّة والاجتماعيّة والدّينيّة والعلميّة، كما تشاوروا في فقرات الحفل، وفي الجوانب الماديّة، ولاحظت معاناتهم في الجانب المادي، وضعف التّعاون من المنتسبين إلى الجامعة البهائيّة كما أخبرني الأستاذ بيان نفسه، وتجدهم ينفقون من جيبهم الخاص رغم بساطة حالتهم المادية، وشارك المشورة مجموعة من الشّباب البهائيين النّاطقين بالعربيّة والفارسيّة.
وبعد المشورة رجعنا إلى النّزل لنستعد للذّهاب إلى مدينة دينسون في تكساس، وحضور ضيافة تسعة عشر، وبعدها الذّهاب إلى شيكاغو برا كما سنرى في الحلقة القادمة.