بدر بن سالم العبري يكتب: الرّحلة التّكساسيّة (8)..تسجيل حلقة حول فلسفة الوحدة والحوار مع الأديان


بدر بن سالم العبري  


في صباح يوم الجمعة السّادس عشر من أغسطس كان مشرق الأذكار، وسبق الحديث حوله سابقا، وكان ممّن حضر الأستاذ إليكس، وهو أصله مسيحيّ من المكسيك، اعتنق البهائيّة، ويسكن حاليا في دالاس بولاية تكساس، وله دور كبير في الاهتمام بحلقات النّاشئين، وهي فكرة بهائيّة تعنى بنشر التّعليم للنّاشئين عن طريق الحوار وغرس العمل الاجتماعي، بجانب قيم المساواة والمحبّة، وهي ليست محصورة على الجامعة البهائيّة، لهذا سنجد مثلا في دالاس ممّن يحضر هذه الحلقات من كافة الأديان والتّوجهات، ويحضرها حوالي مئتان طالبا، وأغلبهم من المسلمين، لكون أغلب الجاليات في ويكوري ميدو من المسلمين البورميين، لهذا سجلت حلقة مع الأستاذ إليكس حول حلقات النّاشئين تجربة من دالاس، ضمن برنامج حوارات الحلقة الثّانية والخمسين، في السّاعة الثّامنة صباحا، وبثت يوم الأربعاء الحادي والعشرين من أغسطس، وأليكس شاب متواضع جدّا، وصوته جميل جدّا، ويدعو ويغني باللّغة الأسبانيّة، وأجد فيها تقاربا مع اللّغة العربيّة، كما أجد المكسيكيين و اللاّتينيين عموما يقتربون من الجنس العربي في ملامحهم وهيئاتهم وجمالهم، ورجوت لو أزور أمريكا اللّاتينيّة، وأخبرت بذلك إليكس ورحب بالفكرة، وعسى يتحقق ذلك يوما.


في البداية تحدّث الأستاذ إليكس أنّ غايتهم تقويّة النّاشئين روحيّا في الابتداء، وهذه الحلقات تضمّ أفرادا من الطّفولة وحتّى مرحلة الشّباب، حيث هذه المرحلة من أهم المراحل وأخطرها الّتي يمر بها الإنسان، فإذا وصل سنّ البلوغ مثلا استطاع التّفريق بين الصّواب والخطأ، لهذا قبل الوصول إلى مرحلة البلوغ تركز هذه الحلقات على غرس المبادئ والقيم والأخلاق.


والاهتمام بالنّاشئين عموما يعود إلى ثلاثة أسباب رئيسة: أولا التّعبير عن الأفكار، فعند النّاشئة أفكار جميلة، ولا يستطيعون التّعبير عنها، فهذه الحلقات تفتح له ذلك بحريّة بعد تعلّمه للقراءة والكتابة، والثّاني لكي يستطيع النّاشئ بنفسه أن يميز بين الصّواب والخطأ، وبين الإيجاب والسّلب، والثّالث خدمة المجتمع، منطلقين من الجوانب الرّوحانيّة والأخلاقيّة معا.


وهم يركزون على جانبين: تنمية الفنون وخدمة المجتمع، والفنّ وخدمة المجتمع هدفه تحقيق المحبّة والصّداقة والأخوة، ويهتمون بأشياء بسيطة، لكن لها معاني كبيرة، مثل تنظيف الطّرق والشّواطئ، وزيارة المرضى وكبار السّن، وإعادة تصنيع بعض ما يرمى في القمامة، كما يغرسون في النّاشئة مساعدة الفقراء والمشردين عمليا، كما يهتمون بالمشردين داخليّا عن طريق غرس فيهم أهميّة روح العمل والاعتماد على الذّات، ومن ذلك بعض النّاشئين يصنعون الكعك بأنفسهم، ثمّ يبيعونها، وبثمن بيعها اشتروا من الملابس والأحذية للفقراء والمشردين.


والمراحل عندهم من من خمس إلى عشر سنوات تعتبر مرحلة الطّفولة يدرسون فيها الأخلاقيات المتعلقة بالأطفال، ومن إحدى عشر إلى أربعة عشرة سنة يدرسونهم من كتاب نسائم التّأييد إلى بوارق الأمل وغيرها، ومن ستة عشر سنه فما فوق لهم مناهج روحيّة متخصصة، بجانب جلسات الدّعاء، ويشركون معهم جميع الأديان، حيث يدعون إلها واحدا، مع جلسات النّقاش والحوار بعد جلسات الدّعاء.


في الابتداء يدرسونهم كتاب نسائم التّأييد، ويغرس هذا الكتاب في النّاشئة أنّ الحياة ليست سهلة، فعلى الإنسان أن يتحمّل، وأن يستصحب معيّة الله في حياته، ويتكوّن من إحدى عشر إلى خمسة عشر مرحلة، أي من الأجزاء، والكتاب الأول مخصص من الّذين أعمارهم خمس إلى عشر سنوات، وتشمل أيضا هذه الكتب علوما أخرى كالرّياضيات، والجغرافيا، وعلوم الطّبيعة والفيزياء وغيرها، بجانب تعليم القراءة والكتابة وكيفيّة التّفكير والتّعبير والحوار.


والكتب عموما على نوعين: نوع فيها آثار البهائيّة بدرجة بسيطة دون الإشارة إلى الأسماء، ونوع فيها آثار البهائيّة بصورة كبيرة مع الأسهاب في الاقتباس وذكر الأسماء، والإشارة إلى نصوصهم؛ لأنّ الفكرة بهائيّة، ولكن هذه النّصوص ليست تبشيريّة، وإنّما دعوة إلى القيم العليا الّتي تحقق وحدة الجنس البشري.
وهذه الكتب عموما ليست مخصصة للبهائيّة، ولكن من منطلق إيمانهم أنّ بهاء الله جاء بأدبيات تدعو إلى وحدة الجنس البشري.


أمّا حلقات تدريس النّاشئين بدأت في دالاس قبل عشر سنوات، ويحضرها العديد من مختلف الأديان، وحققوا نتائج جيدة، منها مثلا طفل من أسرة مسيحيّة كاثوليكيّة كان بعيدا عن الدّين هو وأسرته، ولما حضر هذه الحلقات، ورجع إلى أسرته؛ طلب أن تكون حلقات دعاء في البيت، وطلب منهم الذّهاب إلى الكنيسة أيضا للدّعاء والصّلاة.
وكما تعلم هنا في أمريكا ينتشر شرب الكحوليات والمخدّرات، لذا لهذه الحلقات دور في غرس الأخلاق والقيم الرّوحيّة في النّاشئة، كذلك لا يوجد في أمريكا اهتمام كبير بمواهب النّاشئين، فتحاول هذه الحلقات تنمية هذه المواهب أيّا كانت.


ومعظم النّاشئين يعشقون الكرة، ويرغبون أن يكونوا لاعبين مشهورين في نوادي عالمية، وأن تكون لهم قنوات يوتيوبيّة، وبعد هذه الحلقات تبين للنّاشئين أنّ لهم مواهب أيضا أخرى، مثلا اكتشفوا أنّ البعض لهم رغبة في الجانب الميكانيكي المتعلق بالسّيارات، فربطتهم الحلقات بورشات تصليح السّيارات ليكشفوا مواهبهم، ويدركوا كيفيّة تركيبها وصناعتها.


وفي أمريكا حريّة سياسيّة وعرقيّة ودينيّة، لهذا يجدون هنا تقبلا في حلقاتهم من جميع الأديان والأعراق، كما يجدون الحريّة الكاملة في ممارسة حلقاتهم كغيرهم من التّوجهات الأخرى، ومن باب العلم مثلا رسلوا إلى رئيس البلديّة وشرحوا له الفكرة، ورحب بذلك وشجع، إلا أنّه على مستوى الأسر قد لا تتقبل بعض الأسر لأسباب دينيّة، وهذا شيئ طبيعي، ولكن نجد أيضا تقبلا من العديد حتّى على مستوى الكنائس، ففي إحدى المناطق مثلا تعاني من أخلاقيات سلبيّة كثيرة عند النّاشئة، وعجزت الكنيسة عن علاجها، ولمّا سمعت بهذا الأثر الّذي تحققه حلقات النّاشئين من قبل الجامعة البهائيّة [أي المجتمع البهائي]، فطلبت منهم إقامة هذه الحلقات في هذه المنطقة، وكان لهذه الحلقات تأثير حسن وجيّد في تنمية السّلوكيات الحسنة، وعلاج السّلوكيات السّيئة في هذه المنطقة عند النّاشئين خصوصا.


وعموما أصبحت هذه الحلقات منتشرة في العديد من دول العالم، لهذا نحن نستفيد منها، مثلا توجد جزيرة في المحيط الهادي، كان العديد في السّجون، وبعد هذه الحلقات لاحظوا تدني مستوى الجريمة، وبالتّالي انخفاض معدل المساجين، فهذه الحلقات تقدّم خدمات إيجابيّة للنّاشئين خصوصا، والمجتمع عموما.


وبعد تسجيل الحلقة ذهبنا إلى الفطور، وأخذنا حديث طويل، ثمّ أخذنا شيئا من الرّاحة، لنذهب إلى مول نورث بارك في السّاعة الثّانية عشر ظهرا، حيث عندنا موعد مع البرفسور توماس مكفول، وهو عالم في الأديان معروف في أمريكا وتكساس، ويدرس علم الأديان، ومهتم بتحقيق الحوار والسّلام والتّقريب بين الأديان، فوجدته ينتظرنا مع زوجته في المول، وهو رجل على كبر علمه وسنّه إلا أنّه متواضع جدّا، ثمّ ذهبنا إلى حديقة المول لأنّه كان مزدحما حيث وقت الظّهيرة، وهذا الوقت يزدحم فيه المول عندهم والمجمعات والأسواق، فسجلنا مع البرفسور حلقة حول فلسفة الوحدة والحوار بين الأديان في السّاعة الواحدة ظهرا ضمن برنامج حوارات الحلقة الثّالثة والخمسين، وبثّت يوم الخميس الثّاني والعشرين من أغسطس.


في البداية تحدّث أنّه توجد قوّة في الخارج، وهي الله بالمعنى الشّمولي حاضر في جميع الأديان، وهناك إله الأديان، ودرجته أقل من حيث تصوّرات كلّ دين حول الإله، فجميعها تنظر إلى هذه القوّة في الخارج، ولكن ستختلف تصوّراتها حول هذه القوّة، لهذا الأديان متطوّرة من بعضها، ومتطوّرة في نظرتها إلى الإنسان ومعالجة قضايا البشريّة، ومع كوني مسيحيّا إلا أنني أجد البهائية أكثر الأديان تطوّرا في نظرتها إلى الإنسان، ومعالجة قضاياه، والأديان جميعها واحدة مثل الكونفوشيوسيّة أو الهندوسيّة أو البوذيّة، والبوذيّة ليست ديانة توحيديّة بل أقرب إلى الإلحاديّة، إلا أنّ التّعاطف والقيم الموجودة فيها لا يخرجها عن الأديان، وتمثل الإله في صورة أخرى غير التّصور التّقليدي والظّاهري عند باقي الأديان، وهكذا إذا جئنا إلى الأديان الإبراهيميّة كاليهوديّة والمسيحيّة والإسلام، فحظور الإله ظاهر فيها ومتشابه، وأمّا الملحدون [الدّهريون والرّبوبيون وألا أدريين] هم يبحثون عن الإله، فلا نجعلهم على الهامش، بل نقربهم، ونتحاور معهم، فقد يصلون إلى الإله يوما ما.


وأقدم الدّيانات في نظري الهندوسيّة والزّرادشتيّة واليهوديّة، وهي الدّيانات الرّئيسة الموجودة اليوم، وهذا يعني وجود ديانات قبلها، وهي شبه منقرضة، وهذه الدّيانات لا يمكن تحديد الأقدميّة منها، وهي تعود من أربعة آلاف إلى خمسة آلاف سنة، والهندوسيّة الأكثر عددا، حيث يزيد أتباعها عن بليون نسمة، ثمّ تليها الزّرادشتيّة وعددها ليس كبيرا، وكذا اليهوديّة، ومن اليهوديّة انبثقت المسيحيّة والإسلام والبهائيّة، وأمّا السّيخيّة فانبثقت من الهندوسيّة والإسلام.


فالدّيانات حالة طبيعيّة، ولكن تكمن خطورتها إذا أقصت الآخر ورفضته وكفرته، ولكن إذا سادت فيها القاعدة الذّهبيّة حبّ للآخر ما تحبّه لنفسك، وعامل الآخر كما تحبّ أن يعاملك الآخرون؛ وهذه قاعدة موجودة في جميع الأديان، وبها سنعيش جميعا في محبّة وسلام.


ومن فكرة البهائيّة مثلا الوحدة في الخالق وفي الدّين وفي الجنس البشري، وأنا اتّفق معها فيما يتعلق بالوحدة في الخالق وفي الجنس البشري، ولكن اختلف من حيث الأديان، فلا يوجد وحدة بينها، ولكن يوجد تقارب، فالأختلاف كبير بين الأديان، وهذا بعيد عن الوحدة، لكنّه قريب من التّقريب.


والاختلاف طبيعي موجود بين جميع البشر، ولهذا ثقافات الأديان ستختلف حتّى في داخل الدّين نفسه، فعلينا أن نجعل هذا الاختلاف في حيّزه الطّبيعي، وأن نبعده عن التّكفير والصّراع وإلغاء الآخر وإيذائه.


واليوم بسبب أنّ العالم يعيش متقاربا في قرية عالميّة واحدة بسبب تقدّم وسائل النّقل والتّواصل التّكلنوجي من خلال الأنترنت؛ فهنا أصبح تحقق التّقريب والحوار بين الأديان سهلا جدّا.


وفي جميع الأديان نجد أتباعا لها يؤمنون بأهميّة الحوار والتّقريب بين الأديان، كما نجد من الأتباع من يرفض هذه الفكرة، ونحن علينا أن نوسع دائرة المؤمنين بالحوار والتّقريب من جميع أتباع هذه الدّيانات، لنقلل من الفئة المعارضة.


والخطورة في نظري إذا تدخلت السّياسة في الأديان، فالسّياسي يوجه الدّين حسب ما يريد هو، فعلينا أن نفصل السّياسة عن الدّين، وإلا كان الصّراع والتّنافر بين الأديان.
وعموما الجماليات موجودة في جميع الأديان، وطلبتي يسألوني دائما أيّ الدّيانات تفضل؟ وأيّهما الصّحيح في نظرك؟ فأنا لا أجيب عليهم؛ حتّى لا يختلفون معي، وأنا أعمل لتدريس الأديان، لا لأجل التّبشير بدين، فالمدرس يكون على خط واحد مع جميع الأديان.


وأسأل تلامذتي: ما مستقبل الأديان في عام 2050م مثلا؟ فيجيب بعضهم أنّ التّسامح والتّعايش سيسود بين الأديان، وبعضهم يرى العكس أنّها ستقود إلى الكراهيّة والحروب، ولكن في نظري بعد قرن من الزّمان، وهي سنوات قليلة في عمر المجتمع البشري، هذه الأديان ستتطور وتتقارب بشكل أكبر.


وبعد تسجيل الحلقة ودعنا البرفسور توماس مكفول، كذلك ودعت الأستاذ بيان لارتباطه بعمله، أما أنا فذهبت للغداء، ومنها أخذت جولة في المول، وبعدها في المقهى لأعمل دبلجة ورفع للحلقة، ثمّ رجعت إلى السّكن لأستعدّ ليوم آخر، حيث المشاركة في مؤتمر التّبليغ، وتسجيل حلقة مع الكنيستين اللّوثريّة والمورمون كما سنرى في الحلقة القادمة.