عائشة المجعلية تكتب: لتحقيق الجودة.. لا تقارن أدائك الحالي بالمستوى الجيد

عائشة المجعلية- باحثة تربوية ومدربة


قرأت للكاتب ستيف كوفي في كتابه “الأشياء الأولى أولا” جملة استوقفتني كثيرا،( لاتقارن أداءك الجيد بما هو أسوأ بل قارنه بالمستوى الأفضل الذي يمكن أن يبلغه)، واسترسل بطريقة المدرب المحترف شارحا كيف لهذه المقارنة أن تحقق جودة الحياة في كل المجالات. سأفصل هنا فكرة المقارنة هذه، ثم أثرها على المستوى الشخصي والمجتمعي والمؤسسي كذلك. ولتوضيحها بشكل واقعي، سأسترجع بعضا من مهام الأسبوع الفائت


قراءة رواية لهذا الأسبوع أفضل من لا شيء ( لا شيء هنا يمثل المستوى السيئ )،وكان يفترض أن أقارنه بالمستوى الأفضل ، أي قرأت رواية واحدة وكان يمكنني قراءة روايتين مقارنة بالأسبوع الذي قبله.


في مداولة إشرافية مع إحدى المعلمات ، ذكرت قائلة، أنهينا تجربة التعليم المدمج في الفصل الدراسي الأول ، ولم نسجل تحصيلا دراسيا متدنيا ..( وهي تقارن أداءها بالسيئ) وكان لها أن تقارنه بالأفضل …مثلا، أنهينا التجربة بتحصيل دراسي جيد وكان من الممكن أن نحقق تحصيلا دراسيا متميزا مقارنة بالفصل الدراسي الماضي.


مقارنة الأداء الجيد بالسيئ منتشرة جدا على الصعيد الشخصي والمجتمعي فيما يتعلق بالمعارف والمهارات والوجدانيات، لكن في مجال الاقتصادي والموارد المالية على المستوى الشخصي والقطاعات المؤسسية فتتم بالمقارنة بالمستوى الأفضل دائما، بهدف نمو الإنتاجية والتحفيز على استمرارية العمل وجودته، وللتأكد من ذلك فقد راجعت مؤشر إحصائيات الاقتصاد الوطني للعام الحالي ومقارنتهم لمستوى الإنتاج، فوجدتها بين المستوى الحالي والمستوى الأفضل التي كانت عليه ويجب أن تكون.


إن شعورك اللاوعي يضخم حجم أدائك الجيد، فتراه بعين المعجب المنبهر بالنتيجة ، أيضا مقارنة أدائك بما هو سيئ أو مستوى متدنٍ هي حلقة مفرغة من الإبداع و التقدم لكنها مزدحمة بالتكرار ، ومع مضي الوقت ستألفها وستظل تعمل وتعمل في ذات الدائرة ، وقد يصعب عليك الخروج منها وتتجاوزها إلى ما هو أفضل، بل قد تسيطر عليك ، فتجد نفسك في ذات الإمكانات المعتادة ،لأنك ببساطة لم تسع بها إلى مرحلة التطوير.


المستوى الجيد قد يمنحك شعور الأمان، نعم قد ينحيك جانبا عن المخاطرة والمغامرة، والخوض في المجهول، لكنه أمان مفضٍ إلى جمود وركود ، حيث لا اكتشافات جديدة ولا تجارب مستحقة ، وبالتالي لن تمارس تقييمك لقدراتك واستطاعتك الحقيقية.
ثقافة المستوى الجيد بدأت تعم وتسود ، وكأنها من البديهيات ، حتى يظن البعض بأن الأداء الطبيعي هو المستوى الجيد ، والأصل هو التقدم والتطور وليس الثبات الذي قد يؤدي إلى تراجعك وإلى منحنى سلبي يتنافى وجودة الحياة.


وأتساءل هنا-مع استبعادي للمتغيرات الدخيلة- لماذا تظل بعض المؤسسات الاقتصادية على خط زمني ثابت مع الإنتاج؟ وما الذي يبقي الغالبية من الطلاب في مستوى ( ب) على قدرتهم تجاوزه وبلوغ المستوى ( أ ) ؟ ولماذا يحرص بعض الموظفين الإداريين والفنيين على المتاح من المهارات الشخصية والإدارية والفنية لسنوات طوال وهم قادرون على تحقيق مهارات جديدة يتجاوزون بها إلى حدود الأفضل؟ وهل للمستوى الجيد علاقة طردية إيجابية بشعور القناعة والرضا؟
أثبت صاحب نظرية المقارنة الاجتماعية “ليون فستنغر” بأن الأشخاص غالبا ما يميلون لمقارنة أدائهم بالأداء المتوسط والسيئ لأشخاص آخرين ، فهذا يشعرهم بالرضا والطمأنينة بأنهم في مستوى أعلى أو أنهم بمأمن من تقلبات الحياة، وفي حقيقة الأمر فإن القناعة والرضا ليست مقياسا للمستوى المتوسط (الجيد)، فالمعايير المقياسية لها مرتبطة بالوفرة والأفضل في جميع أنظمة القيمة التي يعيشها الإنسان كالصحة والتعليم والترفيه وغيرها.


والمثير في الأمر، أن حرصك على المستوى الجيد لا يؤثر على جودة حياتك فحسب، بل يمنحك شعور الأمان والرضا الظاهري، أما الأفضل فهو ليس بالضرورة الأصعب أو الأكثر كما ونوعا بل ما يحقق جودة الحياة وينقلك إلى مستوى الرضا الحقيقي ما يضمن تعلمك وتطورك بشكل مستمر.


ثمة فارق حقيقي بين تحقيق هدف الجودة وهدف البقاء، فالكثير ينجزون العديد والعديد من الأهداف الجيدة الكفيلة ببقائهم ، والقلة ممن ينجزون هدفا واحدا يصل بهم إلى الجودة، والفاصل هنا بأن العبرة ليست بكثرة الجيد بل بالأفضل، وليست بالحياة لكن بجودتها.