فيصل الراشدي يكتب: سبعة أيام في أوزبكستان (اليوم الثالث)

فيصل الراشدي

في مساء اليوم الثاني وصلنا محطة القطار في السابعة مساء، لحجز التذاكر في القطار السريع متجهين إلى سمرقند وبخارى، كان هدفنا في الزيارة أن نصل إلى خيوة (خوارزم) ثم نتجه شرق طشقند إلى فرغانة التي يقول الحموي: انتشر الإسلام من غان إلى فرغانه، لكن بسبب كرونا ومتطلباته كان هناك رأي آخر.؛ فحص قبل الرحيل جعلنا نضع لطشقند يومين قبل المغادرة، فالرحلة ستقتصر على ثلاثة مدن: طشقند، وسمرقند، وبخارى، وتخلينا عن الباقي.

التذكرة عشرة دولارات لسمرقند، الساعة السابعة والربع ينطلق القطار، لكن من بخارى عائدين إلى طشقند قالت الموظفة لا يوجد تذاكر إلا في VIP وقد أخذنا تذاكر من سمرقند إلى بخارى في نفس الدرجة لأن الفارق بسيط، أما الآن فالفارق كبير، وقدمت خيارا آخرا نرجع في القطار الذي ينطلق في الرابعة فجرا، أبو عائشة الأوزبكي اتصل بصاحبه الذي يعرفه، فاتصل بها فتوفرت المقاعد، والهدف أن مقاعد VIP لا يحجزها الأوزبكيون فيجبر السياح بطريقة غير مباشرة لحجزها.

وجهتنا الأولى سمرقند، وُجدت قبل الميلاد وتعرضت لنكبات منذ الاسكندر إلى جنكيز خان، ثم انبعثت من تحت الرماد كطائر العنقاء بعد ١٥٠ عاما على يد المغولي تيمورلنك، وجلب لها البنائين والحرفيين من كل أرجاء إمبراطوريته، فجعلها حسناء العالم بمبانيها وحدائقها ومدارسها.

يقول الشاعر الأمريكي ادغار آلان بو: “فيهاوالآن أجل بصرك في سمرقند! أليست ملكة الدنيا؟ مزهوة على جميع المدن، وفي يديها مصائرهن؟”.

انطلق القطار، يغوص عميقا نحو سمرقند، كيرقة سريعة تقطع مسافة على ورقة موز، حقول الفواكه الذي غرست في صفوف مستقيمة، أبقار تنظف بقايا حقول القمح المحصودة، قطعان الخراف والأحصنة تلتهم كومات العشب الأصفر.

وصلنا محطة سمرقند في العاشرة صباحا، خرجنا إلى موقف التاكسي الكل يريد أخذنا، يتقدم أحدهم لديه بعض من مفردات العربية يساوم بـ ١٠٠ الف سوم، نرفض حفص يقول له نحن نعرف المدينة، يركض خلفنا ٥٠ ألف، لا نقبل بعدها وافق بعشرين ألف سوم تقريبا ريالا عماني،

نوافق.. الوجهة بيت ضيافة مع أسرة هكذا كان في البوكينج، يدخل بنا الزقاق والطرقات حتى وصلنا إلى منزل بعيد عن المدينة القديمة، وعند الحجز مكتوب لا يبعد إلا ٥٠٠ م عن وسط المدينة، هذا الخطأ أنني لم أنتبه أن وسط المدينة يقصد به الحديثة، وليس ريجستان، لكن الحجز غير مسترد، نزلنا استقبلتنا امرأة، أدخلتنا داخل المنزل، وفي نفوسنا أننا لا نريد المكان لبعده، أدخلتنا غرفة ذات سرير مزدوج، تهللت أساريرنا وقلنا لها الحجز ثلاثة أسرة، قالت لا تتوفر الغرفة لدي الآن، فاعتذرنا منها وطلبنا من السائق أخذنا إلى المدينة القديمة، وقال أعدكم بفندق يناسبكم.

ريجستان المدينة التي تحكي عظمة دولة تيمور لنك، النزل قرب ضريح تيمور لنك لا يبعد إلا أمتارا قليلة، غرفة في الطابق الثالث، أمامها شرفة تسع المدينة نظرا، لوحات وتحف معلقة على أركان الفندق، سجاد عتيق يتدلى على الجدران يحكي لك قصة حضارة مرت من هنا.

السائق فارسي الأصل، من تبريز، يعرف شيئا من الانجليزية، عرض علينا أن يأخذنا في جولة لمدة خمس ساعات بعشرين دولارا، وهو مبلغ مغري مقارنة بما عرضه أبو عائشة علينا في طشقند، ٦٠ دولار في طشقند، وأنه سعر رخيص وصاحبه يتقن العربية، لكننا رفضنا أن نرتبط بشخص بل ندخل في مفاوضات بلغة الآلة الحاسبة.. وافقنا على ذلك.

المحطة الأولى.. مرصد اولوغ بيك، شخصية تجدها في عملة ١٠٠ الف سوم، عالم وفلكي وملك حفيد لتيمور لنك، نصب تذكاري يتوسط ساحة دائرية، المرصد الفلكي الذي بناه حقق فيه فتوحات علمية وفلكية، لم يبق من المرصد إلا جزءا تحت الارض عبارة عن سلم مدرج يقيس حركة الشمس، وبجانبه متحف يعرض المؤلفات الفلكية التي خطت بالحرف العربي وباللغة الفارسية والأوزبكية، مدونات عديدة وأدوات وخرائط جغرافية رغم بساطتها إلا أنها تنبئك بحركة علمية مزدهرة، خط تاريخ يذكر مساهمة سمرقند في علم الفلك حتى الوصول إلى الفضاء في العهد السوفيتي.

المحطة الثانية.. وقف السائق أمام إطلال أثرية، ويردد جنكيزخان ودانيال، وعبر الخريطة تعرفنا على الموقع أطلال باقية من مما هدمه جنكيزخان، شجرة فستق معمرة يقول السائق تصل إلى 500 سنة، عين ماء متدفق للشرب، ونهر افرسياب يجري بلونه الداكن الدائم، ويعني النهر الأسود.

المحطة الثالثة.. تكفل السائق باختيار أفضل الأماكن من وجهة نظره، مقبرة يهود، مقبرة نصارى! متحف، تماثيل قوافل تجارية ترمز لطريق الحرير، مقبرة إسلام كريموف أول رئيس منذ الاستقلال إلى عام ٢٠١٦، بلغة إنجليزية بسيط يقول إنهن غير مهمات، أوقف السيارة وقال حضرة الخضر.

مقام الخضر عليه السلام، فتذكرت وكل يدعي وصلا بليلى، كل أمة لها خضرها، يمنع التصوير، المقام فوق ربوة عالية تقدم لك منظرا بانوراميا للمدينة وبازارها وهياكلها العظيمة التي خلفها تيمور لنك، أعمدة حجرية حمراء، لولا اللمس تحسبها من الخشب، سقف نقش بإتقان ألوان مزجت بعناية لتقدم لوحة فنية بارزة.

لكن مشهد مغري ومثير لنا، يتلألأ كزمردة تحت وهج الشمس، إنه بيبي خانم، نزلنا سيرا باتجاه مسجد بيبي خانم، طرقات عريضة مظللة ومرصوفة بالقرميد والحجارة.

ببيبي خانم.: زوجة تيمور لنك المحظية لديه، بنى لهار جامعا ومدرسة تخلد اسمها، المدخل مزين بالفسيفساء الزمردية واللازوردية والسيراميك الأزرق، والآيات القرآنية، تقف تحته فتنظر إلى قوس سماوي، داخل المدرسة لم يتبق إلا صفوف ذات أبواب خشبية قصيرة، تدخلها منحيا للتواضع للعلم، وفي الساحة أشجار، الصفوف الدراسية والجامع تحولا لبيع التذكارات، منذ قدوم السوفيت.

تخرج من المدرسة ليستقبلك البازار، الاوزبك والطاجيك والقوميات الأخرى تعمل كخلية نحل، الأعمال اليدوية والتحف، الخبز الأوزبكي، اللبن المجفف أو الا قط وضع في سلال على أشكال كور صغيرة، ومنكه بالفلفل وغيرها من النكهات، يطلبونك أن تشتري، لكن نكتفي بالتجربة لم تستسغه أذواقنا حامض وبه نكهة القدم الزنخة، سوق للفواكه، بائعة التوت التي تفترش الأرض وقد وضعت أمامها توت أسود اللون، منه قد عصرته ووضعته في أكواب، بائع خبز يتبعني ويطلب أن اشتري خبزا، يفتر عن بسمته التي يلمع بينها ضرس ذهبي أعتذر له، الخبز بحد ذاته تحفة تصلح أن تضعه في رف المكتبة كتذكار سمرقندي منسي.

المحطة الخامسة

أخذنا إلى شاه زنده مجموعة من المقابر لأبناء تيمور لنك وأحفاده وزوجاته، إنها معرض فني في الهواء الطلق، معرض له خمسة قرون يعرض فخامة وجمالية فن سمرقند، اختار الفراعنة الأهرام ليشهد على عظمتهم واختار التيموريون المدارس والمقابر ليحكوا عظمة معمارهم، حسناء فرنسية تجلس على مقعد حجري وتخط بفرشاتها قبة لازوردية، تمكث ساعات تتشرب جمال الفن الإسلامي وتنقله لصفحتها، في أقصى مكان مقام الصحابي قثم بن العباس، مزارا للسمرقنديين للتبرك وطلب الدعاء، يظهرون ما بقي من إيمان لم تستطع الشيوعية مسحه، خادم المقام يقرأ القرآن بصوت عذب ثم يقدم له قارورة ماء كبيرة ليرقي فيها.

كل مقام يقول لك اقعد لتتأملني، واملأ عينيك بجمال الفن فإنك راجع إلى صحراء لم تعرف مثل هذا الفن.

المحطة السادسة.

أخذنا لأشهر مطعم لديهم للغداء، الردهة كأنه قصر مغولي، ينقلك لعصر سمرقند في أوج عظمتها، أصوات الموسيقى الصاخبة تستقبلك، دخلنا القاعة الكبرى، طاولات مصفوفة بحسن تتوسطها سلة زهور، قالوا لنا عرس فيها، يمكنكم أن تتناولوا الغداء في الخارج، أو في قاعة علوية بعيدة عن أجواء العرس، اخترنا في الأعلى، قاعة كبيرة مبنية من الأخشاب ومملوءة بالتحف التي تعود للحقبة الروسية، ومجموعة من الحيوانات المحنطة.

طلبنا طبق أوزبكي أساسه اللحم والخبز ونوعين من السلطات.

في المساء توجهنا إلى ريجستان، جوهرة سمرقند، الزمردة الباقية من تاج التيموريين، المكان الذي سيسجنك في الجمال والعظمة، ثلاث جامعات تعود إلى خمسة قرون سابقة، وساحة مفروشة بالحجر تحيط بها ثلاث مدارس بمآذن تعانق السماء، وقباب تعكس زرقتها.

مدرسة اولوغ بيك حفيد تيمور لنك عالم الفك الذي أسس مدرسته في القرن الخامس عشر الميلادي، مدخلها يرتفع ٣٤ م، المدخل مزين بالفسيفساء والسيراميك الأزرق ومنقوش عليها بالخط العربي، بها ٥٠ غرفة صفية.

ومقابلها أسست مدرسة شيردار وتعني مدرسة الأسد توازيها عظمة وفخامة ونقش بالفسيفساء أسدين في واجهتها استمدت اسمها منهما، وما بينهن أسس المدرسة الثالثة تيلا قاري، ويسمى بالمدرسة الذهبية لأن مدخلها الفخم مزخرف بالذهب.

منذ الساعة الخامسة وإلى العاشرة مساء قضيناه في ذلك المكان وكل اتخذ سبيله يعيش تجربته مع الناس.

الصعود إلى المئذنة

لم يسمح بالصعود إلى الدور الثاني إلا جزءا بسيطا من المدرسة بينما الباقي مغلق، لكنني شاهدت فتاتين من طشقند فتح لهن الباب في الجهة الأمامية، قد طلبن مني تصويرهن في الساحة الأمامية، وعندما سألنني قلت لهن من عمان فردت بلهجة كلها غنج: “صلالة”، أول من صادفت يعرف شيئا عن عمان.

حفص عرف المسؤول وأدخله المكان بعشرين ألف سوم بينما دخلت أولا من شباك التذاكر ب ٤٠ ألف سوم، وعرض عليه الدخول بمبلغ ٣٠ ألف سوم، لم يود حفص الصعود وأخبرنا إذا شئنا أن نصعد، أبو عزان كان له خيارا آخر، قال نتفاوض مع الشخص الذي بداخل المدرسة، دخلنا وطلبنا منه الدخول، عرض مبلغا أكبر، وبدأت مرحلة التفاوض بين كر وفر، حتى وصلنا إلى مبلغ أربعين ألف ويعطينا ميزات أخرى، صعدنا معه أدخلنا نفقا مظلما يصعد إلى الأعلى لم نستطع الرؤية إلا بإشعال مصابيح الهواتف، استمرينا بالعبور حتى وصلنا إلى كوة صغيرة توصلنا للسطح، في الأعلى سقف من الصفيح ووضع سلم خشبي يمكنك من صعود الجدار لتشاهد الميدان والمدارس المقابلة من الأعلى، المكان المرتفع يكشف لك عظمة البناء وضخامته وروعته الفنية والجمالية، في المساء تتوافد الأسر لمشاهدة العروض الضوئية الملونة.

المكان بحق يأسر الألباب، وفرصة للتعرف على السبب الذي يقدس فيه السمرقنديون تيمور لنك.