يونس بن جميل النعماني
رغم أنني لا أصدق كثيرًا كلام مدربي التنمية البشرية، إلا أنّ مقولةً رسخت في ذهني منذ فترة طويلة، ألا وهي: “ما تركز عليه تحصل عليه”. وأذكر أنني في عام 2008 دخلت دروة NLP1 البرمجة اللغوية العصبية، وقال لنا المدرب حينها: من منكم يتطوع في الخروج إلى المنصة لإثبات التجربة؟ فرفعت يدي، فقال لي: تعال، أغمض عينيك، فأغمضت، وتمتم بكلام أحسبه استدعاء كائنات ماورائية، ثم قال لي: ماذا ترى؟ فأجبت سريـعا : ظلام، فضحك الحضور، فقال لي بوجهٍ شاحب: ادخل استريح!
إذن ما قصة ما تركز عليه تحصل عليه؟
في الآونة الأخيرة كنتُ أشتغلُ على بحثين علميين، الأول عن الاقتصاد البنفسجي، والثاني عن الاقتصاد الأخضر، ولعل بعضكم يتساءل لِمَ هذه الألوان؟ وما علاقتها بالاقتصاد؟ علمًا أن هناك اقتصاد أبيض وأزرق وبرتقالي أيضا، لكن دعونا نتجاوز كل هذه الألوان، ونركز على البنفسجي، فالأغلبية منكم تابع زيارة السلطان هيثم بن طارق -حفظه الله ورعاه- إلى المملكة العربية السعودية، وكيف فُرِشَ له السجاد البنفسجي بدلاً من الأحمر، هل تساءل أحد منكم لماذا البنفسجي بالتحديد؟ حسناً ، ما علاقة السجاد البنفسجي بالاقتصاد البنفسجي؟
الاقتصاد البنفسجي هو “نوعٌ جديدٌ من الاقتصاد المستدام، الذي يُسهم في التنمية المستدامة من خلال تعزيز الإمكانيات الثقافية للسلع والخدمات، ومراعاة الجوانب الثقافية للاقتصاد”، وقد عُبَّر عنه باللون البنفسجي؛ لأن هذا اللون يرمز للإبداع والابتكار كما عرفه المنتدى الدولي للاقتصاد البنفسجي التي استضافته باريس في الفترة الممتدة من (11-13 أكتوبر 2011)، حيث خَلصَ هذا المؤتمر إلى التأكيد على أهمية وضع التنوع الثقافي كأولوية لإنجاح الاستثمارات المحلية والتنمية المستدامة،
وترجع فكرته المرتبطة بالبيئة الثقافية إلى هذا المنتدى حيث ظهر المفهوم لأول مرة.
ووفقًا لوكالة الأنباء السعودية (واس): “فإن السجاد البنفسجي يتماشى مع لون صحارى المملكة وهِضابها في فصل الربيع عندما تتزيّن بلون زهرة الخزامى، ونباتات أخرى مثل العيهلان والريحان، التي تُشكّل في مجموعها غطاءً طبيعيًا بلون بنفسجي. ويتضمن سجاد المراسم البنفسجي حضورًا بارزًا لعنصر ثقافي سعودي آخر يتمثّل في فن حياكة السدو التقليدي الذي يُزيّن أطراف السجاد الجديد، ليُضفي بُعدًا ثقافيًا إضافيًا كونه من الحِرف الشعبيّة الأصيلة في المملكة العربية السعودية، والمُسجّل رسميًا في القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي باليونسكو، وتمتد النقوش المميزة للسدو على جانبي السجاد؛ لتمنح هذا الفن الوطني العريق مساحة جديدة تضاف لاستخداماته المتعددة في حياة السعوديين”.
وبطبيعة الحال فإن هذا يتماشى مع خطة المملكة 2030 المتعلقة بالتنمية المستدامة، والاستغلال الأمثل للثقافة والتراث في السياحة انطلاقًا من المجتمع المحلي.
من جانب آخر نعود إلى قصة “ما تركز عليه تحصل عليه” ساق القدر أن اتحدث مع شخصية نسائية ملهمة بمعنى الكلمة، هي زينة الحارثية صاحبة مؤسسة جرين روم، المختصة في التدريب الإداري للمؤسسات الحكومية والخاصة، وجاءت بفكرة الانطلاق من التراث الثقافي العُماني؛ حيث تقوم بتعزيز قيمة الإنسان والاستدامة للمؤسسات، وذلك من خلال توظيف حكايات الإنسان والثقافات والشعوب في المؤسسات، وتكثيف هذه الحكايات التاريخية أو الشعبيّة في بيئة العمل، وفي إنتاج أعمال خاصة ببيئة العمل في المؤسسات مثل اللوحات أو القصص الشعبية أوالأساطير مثلاً في النزل التراثية والفنادق الخ، ولعمري أنها فكرة رائدة تصب فيما يسمى بالاقتصاد البنفسجي.
وختامًا كنت أقرا مؤخرًا كتابًا صدر حديثًا بعنوان “مذكرات سال، عُمانية في أرض الهنود الحُمر”، للكاتبة سلامة العوفية وهو كتابٌ في أدب الرحلة، تحدثت فيه الكاتبة خلال فترة ابتعاثها لدراسة الماجستير عن مواقف كثيرة صادفتها خلال العامين اللذين قضتهما في فانكوفر بكندا، ومن جملة ما تحدثت عنه النظام التعليمي، حيث ركز أحد أساتذتها على استخدم طرق جديدة في التعليم، ومن ضمنها استثمار البيئة الثقافية لأي مجتمع وتوظيفها في البيئة المدرسية، وهذا بدوره سينمِّي بطبيعة الحال وعي الطلبة بتراث وثقافة المجتمع المحلي، وربطها بعد ذلك بالتنمية المستدامة.
وحدث هذا بعد اشتغالي بالكتابة عن الاقتصاد البنفسجي في فترة زمنية متقاربة جدًا؛ لأن “ما تركز عليه تحصل عليه”.
