بدر بن سالم العبري يكتب: الرّحلة البحرينيّة (7): زيارة القلعة الهرمزيّة البرتغاليّة


بدر بن سالم العبري

في صباح يوم الخميس 11 أبريل أتى الأستاذ عبد الله المحفوظ إلى النّزل، ولدينا موعد مع الدّكتور سلمان المحاري في تمام التّاسعة صباحا لزيارة القلعة الهرمزيّة البرتغاليّة، والمتحف المصاحب لها.


وسمي المكان بموقع قلعة البحرين، والمنطقة اليوم غير مأهولة بالسّكان، وتجد مياه البحر على الجوانب لا زالت متجمعة، مع تلال من الرّمل، يوجد فيها القلعة، وهي الآن عبارة عن بقايا من الجدران المرممة، المبنية بالحصى والصّاروج والطّوب الصّلب، وفيها آثار الأبراج، والسّياح خصوصا الأجانب لا يتوقفون عنها للزّيارة والمعرفة.


هنا في الابتداءّ التقينا بالدّكتور سلمان المحاري، وسبق الحديث عنه، وعرّفنا بالقلعة ومتعلقاتها وطرقها وبنائها، ثمّ طلبت منه تسجيل حلقة يوتيوبيّة ضمن برنامج حوارات الحلقة الأربعين فلم يمانع، وكان التّسجيل في العاشرة صباحا في جدران القلعة نفسها، وبثت في اليوم نفسه، وكانت بعنوان: علم الآثار ودوره في الاقتصاد والتّعايش الإنساني.

في الابتداء يقول المحاري: القلعة تقع على السّاحل الشّمالي لمملكة البحرين، والاسم الرّسمي لها موقع قلعة البحرين، وسمّيت أيضا قلعة البحرين، واسمها التّأريخيّ والعلميّ القلعة الهرمزيّة البرتغاليّة؛ لأنّها بنيت في فترة الهرامزة، وأعادوا تجديدها وترميمها، وفي الفترة الثّالثة استولى عليها البرتغاليون ورمّموها.


والجدران الحالية المتهدّمة بقايا جدران كانت موجودة سابقا، وكانت سابقا عبارة عن تل تظهر منه بعض الأبراج البسيطة.
والقلعة تقع في هذا الموقع الّذي هو عاصمة دلمون وميناؤها القديم، وقد أدرج على قائمة التّراث العالمي 2007م، وبدأت أعمال التّنقيب من الدّنمارك وفرنسا منذ الخمسينيات من القرن العشرين، وأمّا أعمال التّرميم فبدأت في الثّمانينات من القرن نفسه، ولا زالت مستمرة حتى بدايات هذا القرن أي الحادي والعشرين.

وهذا الموقع أنتج معلومات غنيّة جدّا ومهمّة لجميع الفترات التّأريخيّة الّتي مرت بها البحرين، ودلّت على العلاقات التّجاريّة والثّقافيّة مع المنطقة ككل، ومع الحضارات المحيطة بها، أو كانت فيها، وهكذا مع استمرار التّنقيب نكتشف معلومات جديدة يوما بعد يوم.


ومن خلال علم الآثار في البحرين عموما، وفي هذه المنطقة خصوصا؛ يمكن تقسيم الفترات التّأريخيّة الّتي مرت بها البحرين إلى ثلاث فترات رئيسة: الفترة الأولى: فترة دلمون، وهذه تنقسّم إلى ثلاث فترات أيضا: الفترة المبكرة والمتوسطة والمتأخرة، والفترة الثّانية فترة تايلوس، وهو الاسم الإغريقي لجزيرة البحرين، وهذه أيضا تنقسم إلى المبكرة والمتوسطة والمتأخرة، ثمّ الفترة الإسلاميّة بجميع فتراتها، وهي الفترة الثّالثة.


وأمّا الفترات الزمنيّة فقد مرت من الفترة البرونزيّة ما يقارب ثلاثة آلاف قبل الميلاد، ثمّ فترة تايلوس وهي الفترة الهلنستيّة اليونانيّة الرّومانيّة في القرن الثّالث والرّابع قبل الميلاد وحتى القرن الرّابع قبل الإسلام، وبعضهم يراها تمتد إلى ما قبل الإسلام.

وأمّا علم الآثار بشكل عام علم يهتم بدراسة البقايا الماديّة المنقولة وغير المنقولة من عظام وفخار وزجاج وأحجار ومباني وأدوات وغيرها الّتي تركها الإنسان في الفترات السّابقة منذ تكوّن الحضارات وما قبل ذلك، ليدرسها ويعيد تركيب الحياة اليوميّة والأنشطة الّتي كانت تمارس في تلك الفترة.


والتّراث ينقسم إلى التّراث غير المادي أي الشّفهي والثّقافي، والتّراث المادي الملموس، وهذا ما يتعلّق بعلم الآثار، وهو ينقسم إلى التّراث المنقول أي ما يمكن نقله من أدوات وأحجار، وغير المنقول كالمباني والمنشآت.
وعلم الآثار لا يزال بكرا، ويحتاج إلى المزيد من الدّراسات، وهو من حيث الممارسة قديم، إلا أنّه علميّا بدأ في القرنين الثّامن عشر والتّاسع عشر الميلاديين.


ونشأ كعلم في الدّول الأوروبيّة، ثمّ انتقل إلى باقي دول العالم، وفي الدّول العربيّة حاليا يوجد اهتمام متزايد بهذا العلم، فأصبح يدّرس في جميع الجامعات العربيّة تقريبا، وتوجد كليات متخصصة للآثار كما في جامعة القاهرة والإسكندريّة، وفي الأردن وتونس مثلا، ولدينا حاليا حفريات مشتركة مع جميع دول الخليج العربي، مع تعاون مع الدّول العربيّة كالأردن والعراق وتونس وباقي الدّول الأخرى.


وأمّا من حيث الدّقة فهو دقيق؛ لأنّه يستعين في تفسير المواد بجميع العلوم المساعدة له من الهندسة والكيمياء والبيئة والمواد العضويّة، إلا أنّ الإنسان العادي ليس من السّهل معرفة الحقبة الزّمنيّة، لكن ممكن أن يدرك أنّ هذا قديم وهذا حديث، وحتّى المتخصص يحتاج إلى أن يتخصص بشكل أكبر في فترات تأريخيّة وزمنيّة معينة ليستطيع التّمييز.

لكن ليس بالمطلق أو بالشّريطة أن يكون علم الآثار قرينة لإثبات صحة النّصوص الرّوائيّة والتّأريخيّة أو إثبات بطلانها، فربما الاختلاف يعود إلى أماكن اندثرت وليس لها وجود، أو يعود إلى الوثيقة ذاتها نتيجة النّقولات، وأحيانا الآثار تضيف معلومات غير موجودة في الوثائق التّأريخيّة، وأحيانا تصدّق هذه الوثائق، فبينهما في الجملة تكامل.


وإذا جئنا نطبق علم الآثار على البحرين مثلا، علينا معرفة طبقات الأرض، فالمتخصص يحتاج إلى أن يتخصّص بشكل أكبر في معرفة الفترات التّأريخيّة والزّمنية المعينة لهذه الطّبقات لكي يستطيع التّمييز؛ لأنّ الأقدم زمنا هو الموجود في الأسفل، فيحصل هجرة من الموقع، ثمّ يستوطن مرة ثانية فتأتي طبقة أثرية أخرى، وهكذا الأحدث فالأحدث من حيث القرب إلى السّطح.


أمّا معرفة مصدر الأواني من حيث حضارتها ومنطقتها فهو يأتي عن طريق المقارنة، فمثلا وجود آنية فخاريّة ما، ندرك من خلال المقارنة أنّ هذا النّوع لا علاقة له بمنطقة البحرين، فنقارنها بالمكتشفات الّتي حدثت في بلدان أخرى لندرك أنّها تعود مثلا إلى بهلا في عمان، لشهرة بهلا بهذا النّوع من الفخار.


وكانت هناك علاقة قديمة بين البحرين وعمان، ففي فترة دلمون كان النّحاس الّذي يجلب إلى البحرين كان من مجان، وكذلك الفخار كان يجلب من بهلا في عمان، وحجر الاستياتيت الصّابوني الرّمادي الشّكل الّذي يمكن النّقش عليه بكل سهولة كان يجلب من عمان، ومن الفترات التّأريخيّة الّتي مرت على قلعة عراد حدث فيها ترميم من قبل العمانيين.
وهذه البقايا من الآثار عموما تعتبر موردا اقتصاديّا مهمّا إذا أحسن استخدامه خصوصا في السّياحة، فهي عناصر جذب سياحي مهم.


وأمّا أهم المعالم الأثريّة في البحرين فكما نرى موقع قلعة البحرين، فهو أكبر موقع يقصده السّائح في البحرين، وكذلك معابد باربار، وموقع سار الأثري، وتلال المدافن، وتلال الملكيّة في منطقة عالي، والمحرّق القديمة، ومشروع طريق اللّؤلؤ فيها، ومسجد الخميس، وقلعة عراد، وقلعة الشّيخ سلمان بن أحمد الفاتح بالرّفاع، وبيت الجسرة وغيرها.


وتعدد هذه المواقع الأثريّة دليل على عمق ظاهرة التّسامح والتّعايش في البحرين، فهي امتداد تأريخي يرجع إلى أربعة آلاف عاما، فالبحرين ذات مركز تجاري، وهناك قطع أثريّة من بلاد الرّافدين وبلاد السّند ومجان وأم النّار والصّين والهند وبلاد البحر المتوسط وبلاد فارس والجزيرة العربيّة، وبالتّالي يأتيها النّاس من مختلف الأجناس واللّغات والأديان، وهناك تقبل من سكان البحرين لهم، وتعايش معهم على مرور الزّمن.

لهذا حسب المكتشفات الأثريّة من مختلف المواقع في البحرين؛ نجد هناك أكثر من آلهة، فمنهم من كان يعبد الشّمس، ومنهم من يعبد إله المياه الأرضيّة العذبة، وإله الحكمة، ومنهم الكواكب والقمر والنّجوم، ففي بعض الأختام الدّلمونيّة قرص الشّمس أو الهلال، واكتشاف مذبح للعبادة في معبد سار، وقبل دخول الإسلام كانت المسيحيّة النّسطوريّة، وجزيرة المحرق كانت تسمّى قديما جزيرة سماهيج، وفيها منطقة الدّير، وفي وسطها مسجد يسمّى حتّى اليوم بمسجد الرّاهب، والحي الّذي يوجد فيه المسجد يسمى بحي أو فريق الرّاهب، ويعتقد أنّه يوجد في أسفل المسجد دير يتعبّد فيه الرّهبان.


وبعد تسجيل الحلقة ذهبنا إلى متحف قلعة البحرين، وهو متحف افتتح عام 2008م، ومقابل للقلعة، وأمامه باحة كبيرة متصل بها مقهى، وقاعة للمحاضرات، ومحلّ لبيع الهدايا، والباحة مطلة على البحر.
وفي الابتداء طلبت من الدّكتور سلمان المحاري السّماح لي بالتّسجل الصّوتي لأوثق ذلك كتابيّا لاحقا؛ لأنّه صعب الكتابة وهو يشرح، ولكن للأسف لخلل في الهاتف فقدت التّسجيل بعد رجوعي إلى عمان، وقد شرح لي عن الحقب التّأريخيّة الثّلاثة الّتي سبق ذكرها، ولهذه الحقب خمس صالات مختلفة، تحوي السّرد التّأريخي للقطع الأثريّة المكتشفة في موقع قلعة البحرين، ومنها القطع الفخاريّة الّتي تعود أصولها إلى بهلا مثلا.


على العموم أراد الدّكتور أن يهديني كتابه، وهي أطروحته باللّغة الإنجليزيّة حول هذا الجانب، ولم تكن حاضرة حينها، واقترحت له ترجمتها إلى اللّغة العربيّة ليستفيد منها الّذين لا يعرفون الإنجليزيّة جيّدا أمثالي، وليعمّ نفعها، كما أهديته بعض كتبي، وبعد ذلك رجعنا إلى النّزل لنستعدّ لزيارة جمعيّة التّجديد البحرينيّة، ومن ثمّ حضور ثاني ليالي الأقمار الشّعبانيّة بولادة الإمام زين العابدين عليّ بن الحسين [ت 95هـ] كما سنرى في الحلقة القادمة.