مريم الشكيلية
عندما غزا وباء كورونا “كوفيد19” العالم لم تكن نتائج هذا الأمر صحية فقط، وإنما كانت له نتائج اجتماعية إيجابية وسلبية لأنه دخل وتشعّب في أدق تفاصيل حياتنا، وغيّر مجرى سلوكياتنا وقرب وباعد بيننا والكثير الكثير من المتغيرات التي شملت كافة الحياة.
ولكن هنا في هذه السطور نتحدث عن “الرجل في زمن كورونا” وكيف أثّر هذا الغازي الجديد على حياة الرجل؟ ليس في مجتمعه فحسب وإنما في بيته أيضا، وسوف نطرح عدة تساؤلات: هل قرّب هذا الوباء الرجل من أسرته أم باعد بينهم؟ وهل خلق هذا الوباء فجوات بين الرجل وأهل بيته؟ أم أنه قلّص هذه الفجوات وأحدث تقاربا بينه وبين أسرته؟.
كانت حياة الرجل قبل “كورونا” ممتلئة بالتفاصيل الدقيقة والمتسارعة، والتي كانت بحكم عمله أو علاقاته الاجتماعية وغيرها تبقيه أكثر الأوقات خارج جدران بيته، وبعض الرجال كانت حياتهم الأسرية من الممكن أن نصفها بالحياة المتسارعة والاعتيادية والروتينية، وفي بعض الأوقات بالفاترة، وذلك بحكم كل العلاقات والحياة التي تسود المجتمع والأسرة والذي هو جزء من هذه العلاقات.
إلا أنه وقبل عام ونصف العام وبعد أن تسلل وباء “كورونا” إلينا أحدث موجة تغيرات في البيت الواحد وفي حياة الرجل وأسرته بشكل خاص، وأرغمت هذه الجائحة الرجل على التواجد لساعات طويلة داخل بيته بفعل الحجر المفروض ومنع الحركة، وتلقائيا وبحكم هذا الوضع أحدث تفاعلا وحياة مصغرة في البيت بين الرجل وأسرته.
ونتيجة التواجد الدائم للرجل في بيته يمكن القول أن هذا الوضع أحدث تقاربا بين الرجل وعائلته، تقاربا فكريا وعاطفيا وتعارفا فيما بينهم، ولا نستغرب حين نقول إن هذا الوضع جعل الرجل يتعرف بشكل أكبر على عائلته مما كان عليه في السابق، حتى أن البعض منهم تفاجأ بعمق الفجوة التي كانت تفصله بينه وبينهم، وكأنه يتعرف على أشخاص جدد من ناحية مشاكلهم وتحدياتهم اليومية ومهاراتهم وسلوكياتهم ونمط معيشتهم التفصيلية وعلاقتهم ببعضهم البعض وغيرها الكثير.
وتقريبا إذا جلست الآن مع أي رجل ليتحدث معك في هذا الشأن، ستجد كل واحد فيهم لديه تجربته الخاصة والمدى الذي أحدثه من تغيير في نمط حياته وعاداته داخل البيت، فالبعض يقول إنه تعلم فن الطبخ والبعض تعلم الاعتناء بالزراعة البيتية والبعض مارس هواياته المفضلة التي هجرها أو لم يكن لديه الوقت الكافي في ممارستها، وأيضا كان من أهم النتائج أن الرجل وجد متسعا من الوقت للحديث مع الزوجة والأبناء، ففي السابق كان الوقت ضيقا بحكم الحياة المتسارعة خارج البيت.
لقد ظهرت الكثير من الأنشطة والعادات التي فرضتها الجائحة على الرجل داخل البيت، وأصبح الرجل أكثر قربا من خلال المشاركة اليومية بينه وبين أسرته، تشارك معهم في الأحاديث في مجالات شتى وتعرف أكثر على كل واحد فيهم وعلى مجهود المرأة إن كانت زوجة أو أم أو أخت أو جدة، والأدوار الجبارة التي تقوم بها في سبيل التنشئة السليمة للأبناء ومحافظتها على بيتها وسلامة نسيجه وترابطه، مما خلق تقاربا تلقائيا بينه وبين المرأة وبالأخص الزوجة.
وإذا أوجدنا حسنة لهذا الوباء فإنها تكون في تقارب الأسرة مع بعضها البعض وتغير الكثير من العادات السيئة أو التذكير بواجبات وأمور مهملة ومغفل عنها.
ومن جانب آخر، نتج عن هذه الجائحة مشكلات أسرية كثيرة وعديدة حتى وصلت في بعض الأحيان إلى الطلاق، وفي إحصائيات تشير إلى أن حالات الطلاق ارتفعت في زمن الجائحة وبمعدل كبير مما كان قبلها، وهذا عائد -حسب اعتقادي- إلى عدم مقدرة الرجل والمرأة في التجانس والمشاركة داخل البيت وربما كانت هناك أصلا فجوة بينهما قبل الجائحة وكانوا منشغلين كلٌّ في شؤونه الخاصة، وقليلا ما يتلاقون ويتشاركون داخل البيت وكان العمل أو السفر المتكرر بقصد العمل أو الخروج المستمر مع الأصدقاء والحياة المزدحمة خارج البيت لم تسمح باتساع هذه الفجوة أو حتى الانتباه لها، وحين وضعهم “كوفيد19” في وضع مختلف بتواجدهم الدائم مع بعضهم وأجبرهم على وضع لم يعتادوا عليه، أوجد معهم تحديات جديدة وهو التقارب وخلق بيئة تفاعلية بينهم، ولأنهم كانت بينهم تحديات وعادات سابقة، أصعب الأمر صعبا عليهم حتى وصل البعض إلى طريق مسدود في العلاقة.
وكثيرا ما تحكي بعض السيدات أنهن يتمنين زوال هذه الجائحة حتى تعود الحياة إلى سابق عهدها لينتهي الحجر المفروض عليهن، لأنهن يعانين من تسلط الرجل داخل بيته وعدم مشاركته الفاعلة والبناءة، وتعمد خلق مشكلات وعدم قدرته على التأقلم مع الوضع، مما أدخل المشاحنات والضغط النفسي الأسرة في صراع مع بعضها البعض، وبالتحديد الصراع الذي ينشأ بين الرجل والمرأة من جهة وبين الرجل والأبناء من جهة أخرى، علاوة على هذا الحالة النفسية والشعورية التي أجدها “كوفيد19” على الفرد مما جعلها منعكسة عليه وعلى أسرته، وممكن أن يكون هذا التدهور في العلاقات قد حدث ليس فقط بسبب الجائحة وإنما بسبب قلة الوعي في طرق حل المشكلات الأسرية وتركها تتراكم حتى تنفجر.
لقد نخرت هذه الجائحة نخرت في عظام البيت والأسرة ولم تستطع بعض الأسر التصدي لها من الناحية السلوكية والفكرية والثقافية، ولم يستطع أفراد الأسرة الواحدة التأقلم والانسجام في هذا الوضع الجديد.
