بدر بن سالم العبري يكتب: الرحلة البحرينية(1).. الوصول إلى البحرين

بدر بن سالم العبري


بدعوة كريمة من مجلس جابري الثّقافي في منطقة الجسرة بمملكة البحرين، ومن الأستاذة نهى كرمستجي خصوصا، وقد سبق الحديث عن الأستاذة نهى في الرّحلة الشّيكاغيّة، حيث تعرّفت عليها في مؤتمر العرب الأمريكيين للثّقافة والتّراث في شيكاغو بالولايات الأمريكيّة المتحدة، وصلت إليّ الدعوة عن طريق الأستاذ فريد عبد الوهاب أحمد، وهو بحريني يعيش في عمان منذ عام 2012م هو وزوجه الأستاذة بهيّة كرمسنتجي، وهي عمّة الأستاذة نهى، فقررنا الذّهاب برا؛ لأنّ المسافة من مسقط إلى البحرين ليست طويلة خصوصا بدون توقف.


ولقد زرت البحرين عام 2010م بسيارتي حينها مررت على قطر والكويت والبحرين لشراء الكتب، وزرت المنامة للبحث عن بعض مؤلفات السّيد محمّد باقر الصّدر [ت 1980م]، كما كان لي عم عاش في البحرين، وهو أخو الوالد من أب، سكن المحرق لأكثر من خمسين عاما، وتزوّج بحرينيّة، وفي السّنوات الأخيرة رجع إلى عمان.

لهذا كانت رغبتي في اكتشاف البحرين عن قرب لأنّ هذا البلد الصّغير حاليا في جغرافيّته، العميق تأريخا وحاضرا في تراثه وثقافته، وبعده الإنساني والإسلامي عموما، والعربيّ خصوصا، ولا زالت رموزه الثّقافيّة والفكريّة والدّينيّة، ومساهماته في ذلك حاضره، من اليمين واليسار، كما أنّ البعد التّعايشيّ واضح بصورة كبيرة في البحرين.


حاولت أن أقرأ الإنسان البحرينيّ عن قرب، فوجدته قريبا جدّا من المجتمع العمانيّ في عاداته وتقاليده، وفي سماحته وتعايشه، ومن خرج من عمان قبل 1970م بسبب شظف العيش يومها، وسافر إلى البحرين؛ لا زال يحمل الحنين إلى هذا البلد، ولا زال يحمل ذاكرة كبيرة من ذكريات العمل والتّعايش، كما وجد ذلك في الدّمام والإحساء، وهذا ما وجدته شخصيّا في البحرين، عندما يرونني بلباسي العماني من كبار السّن يستحضرون ذكريات العمانيين في المنامة والمحرق وغيرها، وما أن دخلت جسر الملك فهد بعد بوابة البحرين، وعملت تغريدة في تويتر، حتى تواصل معي بعض الأخوة البحرينيين وعلى رأسهم الأستاذ عبد الله المحفوظ، وهو رجل فاضل من الأخوة الإماميّة، فرّحب بي أيّما ترحيب، وأصر على أن أخصص جدولا معه ليحملني بذاته على سيارته في بعض الزّيارات كما سنرى، وقد أخذت العديد من وقته، إلا أننني استفدت كثيرا منه خلقا وعلما ومعرفة.


خرجنا من مسقط يوم الاثنين في تمام الخامسة فجرا في الثّامن من أبريل 2019م، ووصلنا منطقة العزيزيّة قبيل المغرب، والعزيزيّة منطقة الحدود بين السّعوديّة والبحرين، أخذنا أغلب الطّريق من عمان إلى البحرين في نقاشات متعدّدة، وعلى رأسها ما يتعلّق بالدّين البهائيّ، لأنّ فريد من أصحاب هذه الدّيانة، فلم نشعر بطول الطّريق، ولم نتوقف إلا في محطّة البطحاء، وهي أول محطة بعد الخروج من السّلع، وبداية الدّخول إلى السّعوديّة، ولطالما توقفنا واستأجرنا غرفها المؤجرة عشرات المرات، ولها ذكريات عديدة، حيث وصلنا إليها الثّانية عشر والنّصف ظهرا، للغداء والصّلاة، وأمّا فريد في دينهم كما رأينا في الرّحلة الشّيكاغيّة ثلاث صلوات: الصّغرى والوسطى والكبرى، “أمّا الصّغرى من الظّهر إلى المغرب، وهي عبارة عن دعاء، والوسطى تصلى في الصّباح والظّهر والمغرب، وهي أيضا دعاء أطول من الصّغرى، وفيها ركوع وقعود، ولكن لا يوجد فيها سجود، وأمّا الكبرى فهي أطول من الاثنتين وفيها ركوع وسجود وقيام وقعود، والبهائيّ مخير أن يختار من هذه الصّلوات الثّلاثة”، وقد صلّى فريد كما أخبرني الكبرى قبل المجيء، وتصلّى مرة واحدة في اليوم.
مررنا على سلوى والهفوف والإحساء والبقيق حتى وصلنا العزيزيّة، ومنها جسر الملك فهد، “يبلغ طوله خمس وعشرون كيلو مترا، يبدأ من جنوب مدينة الخبر السّعوديّة، وحتّى العاصمة البحرينيّة المنامة، وافتتح في 25 نوفمبر 1986م، أطلق عليه الشّيخ عيسى بن سلمان آل خليفة [ت 1999م] جسر الملك فهد [ت 2005م]” [الموسوعة العالميّة ويكبيديا بتصرّف بسيط].


ومنظر البحر وأنت تتأمل من فوق الجسر في ظلّ غروب الشّمس رائع جدّا، ترى عظمة هذا الكون، وعظمة هذا الإنسان في استغلال سنن الحياة لشق هذا البحر، وتسهيل السّير على النّاس، واختصار الطّريق، ممّا ساهم في الرّقي بالجانب الاقتصادي والسّياحي في مملكة البحرين، وكذا سهّل التّنقل للعوائل بين البحرين والمناطق السّعوديّة القريبة كالخبر والقطيف والمنطقة الشّرقيّة وغيرها، لما بينهم من رحم ومصاهرة وعلاقات اجتماعيّة.


شاهدنا في الغرب جزيرة جدّة، وكانت غير مأهولة، ثمّ استخدمت سجنا للنّاشطين، وبعدها حوّلت أملاكا للعائلة الحاكمة ولرئيس الوزراء حمد بن عيسى آل خليفة [ت 1942م] حينها، ولا زالت ضمن أملاك العائلة الحاكمة، وعلى شمالها جزيرة أم النّعسان، وتعتبر رابع أكبر جزيرة في البحرين، بعد جزر البحرين وحوار والمحرق، وهي أيضا مرتبطة بالملك.


وصلنا إلى منطقة السّيف وقد غربت الشّمس، وضاحية السّيف كما في الموسوعة العالميّة ويكبيديا بتصرّف “ضاحية في المنامة تعني السّاحل، واستحدثت عام 1980م”، وهي منطقة حديثة، تضم العديد من الفنادق، وأكبر مولات البحرين كأفنيوز مول، والسّيف مول، وفيها مجمع المعارض، وغيرها، وسكنت في فندق فندق جولف كورت، واختاره لي الأستاذ فريد عن طريق البوكينج، ومع أنّ المنطقة راقية وهادئة، والفندق نظيف ويرحبون بالنّازل لديهم؛ إلا أنني لا أحبّ السّكن في هذه الأماكن، حيث أنني أركز في رحلاتي على قراءة الإنسان وليس الحداثة أو الطّبيعة، لهذا أبحث عن الأماكن الشّعبيّة ولو رخيصة ومزدحمة، فغيّرت لاحقا إلى فندق دلمون عند بوابة البحرين، وهو من أقدم الفنادق في البحرين كما سيأتي.
أخذت شيئا من الرّاحة مع صلاتي المغرب والعشاء، وقلت بعدها أمشي قليلا لأستكشف المكان، ولأجل المشي قبل النّوم، وهنا استوقفتني سيارة، وكانت فيها أسرة من دولة مجاورة، وقالوا لا يملكون شيئا لإيجار فندق، وكان في جيبي بضع ريالات عمانيّة، فأعطيتهم منها، فغضب عليّ، ربّما شاهد المبلغ قليلا، ورأيت ذلك من تصرّفه عندما انطلقت سيارته، وهذه المواقف تتكرر للإنسان حتّى في بلده، فلا يعلم صدقه من كذبه، أهو متسوّل أم صادق، ثمّ إنّ الإنسان ليس بالشّريطة لديه المقدرة على المساعدة، ولطبيعة السّفر يتطلب منك التّقتير خصوصا في الأيام الأولى، فلا يدري الإنسان ما يحدث له، وقد تعوّدت على أن أقتّر قدر الإمكان حتى قبيل المغادرة، كما أنني أخصص من المال للصّدقة؛ لأنّ للصّدقة فوائد تضفي اطمئنانة في النّفس، وتحبّب الآخر، ويشعر بها الإنسان انقضاء حوائج، وتفريج كرب، وشكرا للرّب على تسهيل السّفر، وسلامة الوصول، وصحة البدن، رغم أنني بسبب الصّداقات والمعارف أجد أمر السّفر ميسرا، وتقلّ بها تكاليفه، وأصبحت لي عادة لا أبدأ يومي إلا بصدقة ولو بسيطة، في سفر أو حظر، وأخصص لهم في السّفر جزءا حسب الدّولة المسافر إليها، فإن كان يكثر فيها الفقر والمسكنة أحاول ادّخر لذلك قبل فترة، ولكن بقدر {وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا} [الإسراء/ 29].

وبعد تعب هذا اليوم نستعد ليوم مزدحم جدوله، ابتداء من زيارة بعض الأماكن في بوابة البحرين، وزيارة مركز عيسى الثّقافي بالجفير، مع زيارة عالم الآثار البّحريني الدّكتور سلمان المحاري كما سنرى في الحلقة القادمة.