ماجد المحرزي يكتب: المعالم التاريخية بين إجراءات الحماية وخطر الاندثار

ماجد المحرزي

تزخر سلطنة عمان بالكثير من الآثار والمعالم التاريخية القديمة مثل القلاع والحصون والأسوار والأبراج، والتي تعد إرثا حضاريا يجسّد حقبة تاريخية مختلفة عاشها الإنسان في تلك المرحلة بمفهومه الخاص السائد آنذاك.

إن أي إرث حضاري يعتبر هوية للمواطنة، كما يجب التمسك بمبدأ الانتماء للوطن والحفاظ على هويته وقيمه وثوابته الضاربة في جذور التاريخ، ولنذكر ما قاله جلالة السلطان قابوس بن سعيد -طيب الله ثراه- في العيد الوطني الرابع والعشرين: “إن الذي ليس له ماض ليس له حاضر ولا مستقبل، وأن من نسى تراثه وتاريخه لا بد أن ينساه الناس، ويصبح كالإنسان الذي لا يعرف أبويه ويصبح مشردا لا أحد يعرف شيئا عنه ولا أحد يعرف أصله ويكون كما نقول طفيليا”.

هذه المقولة تؤكد مدى إدراك السلطان قابوس بما يمثله الإرث الحضاري لكل مجتمع، فهو يحمل الثقافة والمبادئ والثوابت والأعراف والعادات والتقاليد، وتأكيدا من جلالته -رحمه الله- فقد أصدر تحت المرسوم السلطاني رقم 6 / 80 قانون حماية التراث القومي، كما صدر قانون التراث الثقافي تحت المرسوم السلطاني رقم 35 / 2019.

كل هذا المراسيم السلطانية تشدد على أهمية المحافظة على الإرث الحضاري العماني، لأن الانسلاخ من هذا الإرث يعني بكل بساطة الانسلاخ من الهوية العمانية الأصيلة التي أشار جلالته إليها في خطابه في العيد الوطني الرابع والعشرين المجيد، بعبارة تحمل كل معاني الحث على التمسك بالإرث الحضاري والتحذير من التفريط في أي جزء من مفرداته، عندما قال: “من نسى تراثه وتاريخه لا بد أن ينساه الناس و يصبح كالإنسان الذي لا يعرف أبويه”.

لذا، يجب أن يكون هذا الخطاب بوصلة لكل فرد من أفراد المجتمع ومبدأ يتمسك به، ليكون هذا الإرث الحضاري ملهما للتقدم والتنمية، وعلى كل جهة حكومية أن تعمل على تحمل مسؤوليتها في المحافظة على كل ما يمت إلى التاريخ العماني بصلة.

وما نلاحظه، أن وزارة الإسكان والتخطيط العمراني لديها عددا من التجاوزات لهذا الإرث الحضاري، متجاهله خطابات جلالته -رحمه الله- والمراسيم السلطانية أيضا، فعندما تقوم هذه الجهة الحكومية التي يجب أن تكون عاملا مؤثرا في المحافظة على التراث القومي العماني، بمسح وتخطيط مواقع هذه الآثار وتوزيعها على المواطنين كأراضي، وتصدر فيها ملكيات خاصة، فإننا لا نستطيع تفسير هذا التوجه وتحليل أسبابه، لأن كل هذه الآثار شاهدة بحالها ليست خفية عن العيان.

كما أن الإجراءات التي يجب أن تتبع في إقرار أي مخطط، هو موافقة وزارة التراث والسياحة وخلو هذا الموقع من أي آثار تاريخية، كما أن للمواطن نفسه دور في المحافظة على هذا الإرث الحضاري عندما يعتدي بعض المواطنين على أي موقع تراثي ويهدم مكوناته، كنقل الأحجار وهدم الاسوار واستخدام التراب في شئونه الخاصة، وتوسعة مساحة أرضة المجاورة لهذه المنطقة الأثرية، غير مكترث بأهمية هذا الإرث الحضاري فهذا ما يؤسف له.

ومن واجبنا أن نتصدى لهذه الأعمال بكل حزم والتشدد في تطبيق إجراءات العقوبة تطبيقا للمراسيم السلطانية الصادرة، كما يجب على وزارة التراث والسياحة الاستمرار في رصد المخالفات والتعدي على التراث القومي بكل مفرداته وزيادة الجهد المبذول لمحاربة أي ظاهرة تعدي على المناطق التاريخية والأثرية.

إن هذا الإرث بما يحمله من قيم ومبادئ تحمل الهوية والماضي والحاضر والمستقبل لمن الأهمية أن نحافظ عليه، وهذا ما أكده جلالته -رحمه الله- في خطابه في العيد الوطني الرابع والعشرين مشددا على تمسك الفرد بهذا الإرث عندما قال: “الشاب والإنسان العماني بقي غير طائش ولم يخرج عن تقاليده، هو التراث إذا كان فكره فهذا هو دور التراث الحضاري في الإنسان، كما أن تمسكنا بهويتنا وبما يصلحنا ما نسينا أنفسنا في خضم هذا التطور”.