ما التصوف؟

بقلم: خالد محمد عبده*

 

التصوف أن تختار لونًا من ألوان التدين يتسم بالسعة والرحمة والجمال والحب للنظر إلى الخالق والمخلوقات .. لا يتكبّر الصوفي على عباد الله.. ولا يبحث للآخرين عن أخطاء ليلقي بهم في النار.. يحمل الصوفي قلبا أبيض كالثلج يخفف عن الناس آلامهم.. الصوفي ليس مهرطقا أو صاحب بدعة أو يبحث عن الشاذ والغريب فيظهره لك .. الصوفي يغوص في الأعماق بعد أن أدرك الفارق بين الجاري والراكد والدر والزائف .. يحيا قوله ‘إنك كادح’ ‘فملاقيه’ ما يحصل عليه بعد كدح يحاول أن ينقله لك ببساطة دون تعقيد. الصوفي لا يهب نفسه إلا لربه ومحبوبه .. لا يبيع نفسه ل’أنا’ متضخمة أو ‘سُلطة’ زمنية مؤقتة بعد أن تعلق قلبه بالمفارق لكل صورة. الصوفي ليس ملاكا .. هو إنسان يغضب ويفرح ويسكن ويتألم .. لكنه لا يتاجر بشيء من مشاعره. الصوفي لا يستغل رجلا أو امرأة حتى وإن سلّم الجميع نفوسهم المتعبة بين يديه وصاروا رهن أمره وإشارته .. يحفظ من لجأ إليه ولا يهتك ستر أحد .. ولا يتخذ هذا المشرب مطية لاستعباد الرجال واللعب بالنساء. هذا الصوفي إن وجدته فلا تتركه أبدا وهو ما يمكن أن يقال عنه بصدق: ماذا فَقَدَ من وجدك؟! وماذا وجد من فقدك؟!

يعتبر البعض أن هذه الصفات هي صفات المسلم فأي مسلم لا بد أن يكون على هذه الصورة، ما نعتبره شيء والواقع شيءٌ آخر، إذ لا يمكن أن نقول بصدق إن كل من ينتسب اليوم إلى التصوف يكون على هذه الصورة، وإلا ما كنا وصلنا إلى ما وصلنا إليه من رفض لكافة ألوان التدين المتاحة، والهروب من كل هذا إلى تكوين الشباب لمعتقدهم الخاص الذي يعد عند علماء الشريعة تفسخًا وبعدًا عن الدين القويم.

مقاصد التصوف

عُني التصوف بتزكية القلب وتحقيق الإنسان الذي هبطت نفسه من المحل الأرفع، وآمنت في عالم الذر وشهدت لله بالربوبية، عُني التصوف بأن يصحب الإنسان نفسه ولا يخاصمها ليقترب من ربه في كل لحظة يحيا بالله ويأنس بالله ويراعي الله في كل تصرف يقوم به، فهو وحده المطلع على أسراره يسمع كل ما لا يسمعه البشر، ويجازيه بنيته الطيبة وإن لم يملك أن يفعل ما همّ به من فعل. عملُ التصوف بالأساس مع النفس، فعيوب النفس كانت أهم مشغل من مشاغل التصوف عمل المشايخ الأوائل على معالجتها حتى يصل الإنسان إلى مقام يجعله صحيحًا معافى مفيدًا لنفسه ولمجتمعه.

لم يكن الشيخ قديمًا مستأثرا بمريده وتلميذه، بل كان حريصًا عليه وعلى تحققه وأن يرى أفضل منه كما يعلمنا بعض الأساتذة الصالحون، يُروى عن كثيرين منهم أنه كان يرسل تلامذته إلى مصر أو إلى الشام ليلتقوا بمشايخ أخر حتى يتم خراجهم، وتعج سير الأولياء وكتب التراجم والطبقات بحكايات عن رحلة الصوفي بناء على إشارة شيخه، أو بوازع من النفس حضّه على الهجرة فما يبحث عنه ليس هنا، بل إن بعض الصوفية رأوا أحيانا أن المريد لا يشبعه ما لديهم، فقال أحدهم في صراحة ووضوح لتلميذه: لا أستطيعُ الكتابة على هذا الجوهر (الجوهر الذي هو الغاية في الشرف والنّفاسة) ومضى المريد يبحث عما يحققه.

مكانة التصوف من شريعة الإسلام

التصوف قلب الإسلام وغصنه الحيّ الذي يُسقى بماء الإيمان والصدق، التصوف امتداد لخلوة النبي في غار حراء، التصوف استمرارية لدعاء النبي في الطائف (اللهم إليك أشكو ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس، أنت أرحم الراحمين، إلى من تكلني، إلى عدو يتجهمني، أو إلى قريب ملكته أمري، إن لم تكن غضبان علي فلا أبالي، غير أن عافيتك أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة، أن تنزل بي غضبك، أو تحلّ علي سخطك، لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك).

التصوف تحقيق لمعنى (اللهم اجعل في قلبي نورا، وفي سمعي نورا، وفي بصري نورا، وعن يميني نورا، وعن شمالي نورا، وأمامي نورا، وخلفي نورا، وفوقي نورا، وتحتي نورا، واجعل لي نورا). حتى يجعلني ربّي نورًا لي ولغيري.

التصوف إحياءٌ لسنة أب الأنبياء إبراهيم فهو النموذج الصوفي الأعلى (وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ) أسلم إبراهيم النفس وقال إني مهاجرٌ إلى ربّي فسافر إلى الغربة لله وبذل الطعام للضيف واشتغل بعد ذلك بالتفكّر ليصل إلى الحقّ إذ لم يكن له شيخٌ يسأله تعبير ما رآه، رأى الكواكب والنجوم والشمس، فلما أفلت جميعها قال حبيبي منزّه عن صفات الآفلين، شاهد بعدها الحقّ وتيقّن وأسلم وجهه له، فصدح بما وقر في قلبه (وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ، حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ) واتخذه الله خليلا.

التصوف التفاتة إلى صلب التعاليم الإسلامية وروح الرسالة المحمدية، إذا غاب الإنسان عن المعنى الحقيقي الذي يراد به الاهتمام والعناية أعاده التصوف إليه، فلا ينساق وراء غرائزه ويتعلل بالأحكام والمباح والجائز، يعوّل على قلبه وضميره، ليصل إلى مقصود غال ونفيس، لا إلى عَرَضٍ زائل وغير نافع.

التصوف ليس قراءة للكتاب أو ترديدا لكلمات من السنة أو إعلانًا بأن الحق هو ما يجري على لسان واحد فحسب، بل هو عيش وحياة لما ورد في الكتاب، وذوق التمس من الكلمات التي لا تنفد ضوءًا يسعى به في حياته كلها، وحاول أن يتأسى ويقتدي بالسنة بأن يكرر ما كان.

لكل لفظة من ألفاظ الصوفية سندٌ من الكتاب والسنة لمن أراد أن يبحث عن دليلٍ عما قالته المتصوفة، لكن الصوفي لا ينشغل بالدليل، رغم عيشه معه، يوصّله ويعبر، ثم يسلك حياته، أعلن عن تجربته أو أخفاها، رَمَز أو أبان وأطنب، هو يتكلم بما عاش، فقيمة المرء عند هؤلاء القوم حديث قلبه وعمله.

أعلام التصوف وأمهات الكتب الصوفية

كثيرون شرقًا وغربًا في أرجاء العالم الإسلامي أصبحوا علامات على هذا الطريق، ويستحضر الإنسان أسماء كثيرين منهم، فالجنيد الصوفي الذي وُصِف بسيد الطائفة واعتمد تصوفه بشكل رسمي في كثير من البلدان العربية، يمكنك أن تتعرّف على سيرته وأعماله اليوم بسهولة في عمل الأستاذة سعاد الحكيم (الجنيد تاج العارفين) وكذلك في عمل الأستاذ جمال رجب سيدبي (رسائل الجنيد)، وإن أردت طريقًا أدبيًا للولوج إلى هذا العالم يمكنك أن تطالع عمل الأستاذ عبد الإله بن عرفة (الجنيد ألم المعرفة).

الجنيد اسم يحظى بالقبول عند المتشرعين، ولا يعترض عليه خصوم التصوف، لكنه لا يعبّر عن التصوف وحده، والبعض يعتبر ما كتبه بسيطًا جدًا، يقترب منه ما كتبه الخركوشي صاحب كتاب شرف المصطفى إذ غلب على الأخير الوعظ وعُرف به وحظي بالقبول عند أهل التصوف وأهل الحديث، ويُختصر الجنيد كما يختصر الحارث المحاسبي في الصورة العربية التي وصلتنا، إلا أن المدقق في مرويات التصوف الفارسي سيتعرف على جنيد آخر عند روزبهان البقلي ومولانا جلال الدين الرومي، حتى أن المتتبع لأقوال الجنيد في المرويات العربية سيظفر بكثير من الأفكار واللمعات التي نراها عند صوفية آخرين غضبت السلطة الفقهية والسياسية عليهم.

وسأفصل الحديث في هذه النقطة في مقال تالٍ بإذن الله.


*باحث مصري متخصص في التصوف الإسلامي