متعة القراءة

متعة القراءة

 

هناك سؤالٌ يَطرح نفسه دائما في وسائل الإعلام المختلفة وهو: لماذا نقرأ؟ وما هدفنا من ممارسة هذا الفِعل الثقافي؟ هل القراءة مجرد هواية كما يصفها كثيرٌ منا في العالم العربي كأية هواية أخرى تُمارس في أوقات الفراغ، مثل: جمع الطوابع أو العملات أو الرسم وغيرها؟ أم هي رغبة حقيقية في زيادة التحصيل المعرفي بحيث يستطيع الإنسان من خلالها امتلاك ثقافة معرفية عالية تستطيع أن تواكب الثورة المعرفية التي يشهدها العالم؟ أم أن القراءة مجرد ترف فكري، والإكثار منها تُبعدُ الإنسان عن البهجة والسعادة في الدنيا وتجعله معرضا للقلق والكآبة وربما الجنون أيضا كما يقول البعض!

لقد تخيل الشاعر الأرجنتيني “بورخيس” الجنة في إحدى قصائده بأنها مكتبة، فالقراءة لم تكن يوما سببا في شقاء أحد أو دليلا على انحطاط أمة، فالأمة التي ابتدأت رسالتها السماوية بكلمة “اقرأ” وعَرفت بهذه الكلمة الربانية الخالدة طريق المجد والسؤدد والحضارة، لم يتراجع دورها الحضاري في العالم إلا بعد أن تركت القراءة والبحث العلمي، والإبداع المعرفي وركنت إلى الدعة والخمول والاكتفاء بالشروح والحواشي على المتون، فتحوّلت من أمة تنتج المعرفة إلى أمة تستورد حتى إبرة الخياطة، ولن يعيد ترك القراءة للأمة مجدها ورقيها؛ وإنما يرمي بها إلى ذيل الأمم المتخلفة التي تعتمد على الآخرين حتى في أبسط احتياجاتها اليومية كما هو حاصل اليوم.

يقول نيل جايمان في مقالٍ بعنوان “أهمية المكتبات والقراءة”: “كل مكتبة تعدّ منبعا للمعرفة، وهي تمنح القدرة لأي مواطن أن يدخل إليها مثل بقية الناس ليحوز أي معرفة عن الجسد أو العقل، خصصت هذه المكتبات للمجتمعات، وهي أماكن نشعر فيها بالأمان، بل أن الواحدة منها جنة على الأرض، وأمناء تلك الجنة موجودون بيننا”.

وهناك من يسخر قراءة الروايات والشعر ويصفها بقراءة غير منتجة، ويُردُّ على هذا بأن فِعل القراءة في حد ذاته لا يحمل أي جانب سلبي سواء كانت القراءة في كتاب تخصصي، أو تاريخي، أو حتى روائي. فهل يعدُّ قراءة روايات توصف بالخالدة، مثل: “الأخوة كرامازوف”، و”الجريمة والعقاب”، و”الأبله” للروائي الروسي دوستويفسكي هي قراءة عبثية مثلا؟ ألم يستفد كبار المحللين والاختصاصيون النفسيون من هذه الروايات التي استطاعت التعمق في أغوار النفس البشرية أكثر من كتب تخصصية في هذا المجال؟ هل قصص “تشيخوف” و”فرانز كافكا” و”يوسف إدريس” تعدُّ مضيعةً للوقتِ؟ وأضيف هنا أيضا الروايات الخالدة، مثل: “البؤساء” لفيكتور هوجو، ورواية “الحرب والسلام” لتولستوي، وغيرها، هل قراءة هذه الروايات وغيرها من أمهات الرواية العربية والعالمية تعدُّ هدرًا للوقت؟ وهكذا الأمر بالنسبة إلى الشعر والنقد وغيرها.

في مقال له بعنوان “لماذا نقرأ الأدب”، يرد ماريو بارغاس يوسا على الادعاءات التي تقول: بأنه لا جدوى من قراءة الأدب باعتباره نشاط كمالي يمكن الاستغناء عنه أو هو إضاعة للوقت بما لا طائل منه، فيجيب على هؤلاء قائلا: “لا يوجد من يعلمنا أفضل من الأدب أننا نرى برغم فروقنا العرقية والاجتماعية ثراء الجنس البشري، ولا يوجد ما هو مثل الأدب كي يجعلنا نكافئ ونمجد فروقاتنا بوصفها مظهرا من مظاهر الإبداع الإنساني متعدد الأوجه”، ويستطرد قائلا: “صحيح أن قراءة الأدب مصدر للمتعة، ولكنه أيضا مصدر لمعرفة أنفسنا وتكويننا عبر أفعالنا وأحلامنا وما نخاف منه بكل عيوبنا ونقائصنا، سواء كنا بمفردنا أو في خضم الجماعة ، وسواء كانت تلك الملاحظات تبدو ظاهرة للعيان أو تقبع في أكثر تجاويف الوعي سرية”.

إن المعرفة لا يمكن أن تنتج إلا بالقراءة، وكما كتب غوستاف فلوبير قبل مائة عام؛ فأنه “كفى بالمرء حكمة لو عرف جيدا نصف دزينة من الكتب”.

فايزة محمد