مريم الشكيلية تكتب: الأجداد وقصصهم في حياتنا

مريم الشكيلية

“أقرب الأصدقاء الذين صنعتهم طوال حياتي هم أشخاص نشؤوا أيضا بالقرب من الجد”.. (مارجريت ميد).

“لا تحتاج إلى كتاب تاريخ إذا كنت محظوظا بما يكفي لأن يكون لديك جد”.. (أقوال عن الأجداد).

الكثير والكثير مما قيل عن الأجداد، ولو أنني سردت كل ما قيل ويقال لما اتسعت الصفحات وامتلأت السطور.

الأجداد هم شخصيات محورية في حياتنا، وهم أساس كل عائلة، فهم الجيل الأول ومنهم تمتد الأجيال، وفي مجتمعاتنا نؤمن بمقولة: “هم بركة كل بيت”.

الأجداد والجدات ليسوا فقط أقرباء لنا أو أنهم كبار في السن، ولكن هم تجارب حياة بأكملها، منهم نتعلم ونستفيد ونستخلص العبر والدروس من حياتهم وقصصهم الكثيرة التي صادفتهم وعاشوا تفاصيلها على امتداد حياتهم الحافلة بالتجارب والخبرات.

وعندما تجالسهم ويسردون لك القصص الكثيرة عن حياتهم الخاصة أو علاقاتهم بالمحيطين بهم وعن بيئتهم، تشعر وكأنك تسافر إلى عالمهم وإلى زمانهم، وكأنك تدخل كتبا تاريخية وأحداثا لا تعلم عنها شيئا أبدا، تتفاجأ بها وتتعجب منها، وإن كنت محظوظا بما يكفي فإنك ستتعلم منهم وتأخذ من حياتهم ما تصلح به واقعك.

إننا نحتاج اليوم إلى مجالسة الأجداد، ليس فقط لأنهم يحتاجون إلينا لنؤنسهم في وحدتهم لأنهم ليس بوسعهم أن يتنقلون من مكان إلى آخر بعد أن أخذ بهم العمر ما أخذ، ليس فقط لأن مجالستهم وبرهم هي من صلة الرحم التي أمرنا الله بها، ولكن اليوم وفي زحام حياتنا الصاخبة بالكثير والكثير من الأحداث نحن بحاجة إلى الترويح عن أنفسنا والتقاط أنفاسنا بالتواجد معهم، ومع أحاديثهم الشيقة والممتعة التي هي اليوم بمثابة علاج لنا، وكأنك تخرج من زمن وتدخل إلى زمن آخر.

حتى الأجيال الجديدة يجب علينا أن نوصلهم بالأجداد ونأخذ بأيديهم إليهم، حتى تترابط الصلة وتتوطد علاقتهم بهم، والحرص على الجلوس معهم والاستماع إليهم وإلى تجارب حياتهم وما تعلموه من هذه الحياة، وصحيح أن الأزمنة مختلفة وهناك فارق بينهم كبير، إلا أنه لا تزال هناك قواعد ثابتة لا تتغير وإن تغيرت التفاصيل ومجريات الأحداث والتجارب.

وأيضاً تواجد الأجيال الصغيرة ومجالسة الأجداد وكبار السن والاستماع لقصصهم هي فسحة لهم لإبعادهم عن الأجهزة الإلكترونية التي أصبحت اليوم تلازمهم كظلهم، علاوة على أنها صلة بين الأجيال، وتقليص لتلك الفجوة بين زمانهم وزماننا والتي بسببها أو لأسباب أخرى لا يفضلون الجلوس معهم أو مقاربتهم بحجة أنهم كبار السن، ولا يفهموننا ولا نحن نفهمهم، ولكن بمقاربتهم والتودد إليهم ومداومة الاتصال بهم والجلوس معهم وحثهم على سرد قصص الماضي الذي عاشوه، هذا كفيل بربط هذه السلسلة.