بدر بن سالم العبري يكتب: الرّحلة البحرينيّة (3).. زيارة أحد أقدم المساجد في العالم الإسلامي

بدر بن سالم العبري

بعد زيارة مجمع الرّمليّ وتناول الغداء رجعت إلى النّزل لآخذ شيئا من الرّاحة لنصف ساعة أو أقل، حيث وجدت الأستاذ عبد الله محفوظ ينتظرني، وسابقا لم أكن أعرفه إلا أنّه كان متابعا لي في “تويتر”، فلمّا وصلت البحرين كتبت تغريدة “الحمد لله وصلنا مملكة البحرين للمشاركة والاستفادة من التّجربة البحرينيّة في التّعايش السّلمي”، وبعدها مباشرة تصلني رسالة الأستاذ عبد الله في الخاص: “أخي العزيز، معك أخوك عبد الله محفوظ، رقمي …..، أخدمكم في بلدك البحرين، وأوصلك لبعض الوجوه الفكريّة والقامات في البحرين”، وإن كنت في الابتداء أتوجس من أيّ شخص لا أعرفه سلفا، ولكن رددت عليه متشجعا: “حيّاك الله تعالى أستاذي، هذا يسعدني كثيرا، سوف أتواصل معك لمّا آخذ رقم البحرين، وهذا رقمي في عمان ….، شكرا لك وممنون كثيرا”.


واعتدت أحيانا كما يقال في المثل العماني لمّا أدخل بلدا لأجل الكتابة والتّوثيق أعمل “طلبة قبائل”، أي أُعْلم أنّي دخلت هذا البلد كخبر، فيعلم من الأصدقاء هناك من لديه فراغ لزيارته، فتسحتي أحيانا أن تخبر من تعرفه، فقد يتكلف، وقد يكون جدوله غير مناسب، وبهذه الطّريقة تكسر الخجل، ويتواصل معك من تعرفه ومن لا تعرفه.


وهذا ما فعلته في البحرين، وكان تعرّفي على الأستاذ عبد الله مكسبا كبيرا، فهو بذاته قامة فكريّة ومعرفيّة تعلّمت منه الكثير، وعرفت الواقع الآخر الّذي يعيشه المجتمع الشّيعيّ في البحرين، كما جلست مع الأطياف السّنيّة وغيرها من الأديان، فالبحرين بحق بلد التّعايش، وفيه خير كثير، ووطن مبارك، فعلى الجميع أن يجتمعوا على كلمة سواء، وأن يوّسعوا دائرة الوطن بوحدتهم، والحفاظ على تعايشهم، وتحقيق القيمة الإنسانيّة للجميع، مع الحفاظ على أمن بلدهم بتحقيق العدل، والاشتغال بالمعرفة والعلم والبناء، لتساهم البحرين كما كانت، وما زالت في بناء المجتمع الإنساني.


عموما ذهبنا إلى المسجد الأثري مسجد الخميس، وهناك التقيت لأول مرة بعالم الآثار البحريني الدّكتور سلمان المحاري، يحمل دكتوراه في علم الآثار، ومؤسس مبادرة معا لنحافظ على تراثنا، وسعدت قريبا بالقرار الصّادر من السّمو الملكي الأمير سلمان بن حمد آل خليفة وليّ العهد بتعيين الدّكتور سلمان المحاري مديرا لإدارة الآثار والمتاحف في هيئة البحرين للثّقافة والآثار.


التقينا بالدّكتور عند مسجد الخميس، والّذي يعود بناؤه شهرة إلى الخليفة عمر بن عبد العزيز [ت 101هـ]، وحسب الحفريات حتى الآن يعود إلى بداية العهد العباسي، ويعتبر مسجد الخميس من أقدم المساجد على مستوى العالم الإسلامي ككل، إذ يعود بناؤه إلى عام 692م، ويقال سبب تسميته بمسجد الخميس نسبة إلى السّوق التّجاري الّذي يقام كلّ خميس عند المسجد، أو في الموقع الّذي فيه المسجد، فسمّي به، وتوجد المنارتان اللّتان اشتهر بهما المسجد أيضا، مع آثار قبور قريبة، ولا زالت آثار المسجد باقية إلى اليوم مع ترميم لما بقي.


والأصل نسجل حلقة مع الدّكتور سلمان المحاري، لكن لضيق الوقت نسّقنا معه بعد يوم، ثمّ ذهبنا إلى مكتبة فخراوي، في بلدة جد حفص في المنامة، وجد كما أخبرني المحفوظ بمعنى عبد، وعندهم في البحرين أكثر من بلدة تبدأ بجد، مثل جد الحاج وجد عليّ، ومكتبة فخراوي مكتبة تجاريّة كبيرة تضمّ أمّهات كتب الشّيعة الإماميّة خصوصا، وهنا رأيت القائم بالمكتبة رجلا كبيرا في السّن، إلا أنّه مكتبة بذاته، يحمل ثقافة معرفيّة واسعة، فإذا سألته عن الكتاب يعرف ماهيّته ومؤلفه وما يتعلّق به، فكان بيننا بعض الحديث، خصوصا عن الشّيخ الأوحد الشّيخ أحمد ابن الشّيخ زين الدّين الإحسائي [ت 1241هـ/ 1826م] من الإحساء، مؤسس مدرسة في الفلسفة والحكمة والكشف، وهي ضمن الخطّ الأخباريّ عند الشّيعة الإماميّة، ولها أنصار إلى اليوم خصوصا في الإحساء والكويت والبحرين، والظّاهر هذا الرّجل من هذه المدرسة، ومن هذه المكتبة اشتريت كتابا يوّثق عن مدرسة الشّيخ الأوحد لتوفيق ناصر البوعلي في مجلدين، كما وجدت موسوعته أيضا أو أعماله الكاملة، وودت لو اشتريتها لولا ضيق ما في اليد حينها، وعند زيارتي للشّيخ الصّفار في القطيف كما سيأتي وجدت ذات الموسوعة في مكتبته.


كما اشتريت كتاب المعارك والمساجلات العلميّة للشّيخ محمّد جواد مغنيّة [ت 1979م]، جمّعها عليّ المحرقي، وشدّني مساجلاته مع الشّيخ محمود شلتوت [ت 1963م] حول استبدال النّقد بالهدي، كذلك مساجلاته مع المفكر عبد الله القصيمي [ت 1996م]، وحول كتابه هذه هي الأغلال، والعالم ليس عقلا، مع أنني قرأت لمغنيّة وأنا في بداية الطّلب، ولا زالت موسوعته فقه الإمام جعفر الصّادق في ثلاث مجلدات عندي، حيث اقتنيتها ولا زلت طالبا في معهد العلوم الشّرعيّة حينها، وأعطتني صورة مبكرة عن الفقه الجعفري.


أيضا اشتريت كتابا يؤرخ للكاتب والباحث الإحسائي الشّهير الدّكتور عبد الهادي الفضلي [ت 2013م]، من الّذين طوّروا حوزة النّجف، ومن المجدّدين المعاصرين للفكر الشّيعي الإمامي والإسلامي خصوصا، وللأسف اهتديت إليه في فترة متأخرة قبل وفاته بسنوات عندما التحقت في جامعة المصطفى – فرع بريطانيا – عن بعد، ولكن لم أواصل، ولكن استفدت من دروسه اليوتيوبيّة في المنطق والأصول عموما، واشتريت أكثر أعماله الكاملة عن دار الغدير في معرض مسقط للكتاب قبل ثلاث سنوات، ويعتبر كتابه خلاصة المنطق من أفضل الملخصات المنطقيّة المعاصرة.

أيضا اشتريت كتاب السّيرة النّبويّة برواية أهل البيت للشّيخ عليّ الكوراني العاملي [معاصر]، وسبق أن اشتريت كتاب سيرة المصطفى: نظرة جديدة لهاشم معروف الحسني [ت 1983م] من قم في إيران، وكان لي أمل حينها أن أعمل قراءة نقديّة للسّيرة، ولهذا أردت أن أتأمل القراءات المعاصرة للشّيعة الإماميّة حول هذا الجانب، إلا أنني ارتأيت ابتداء أن أكتب حول فلسفة الدّولة في الأديان عموما ومنها الإسلام، وفي الفلسفات القديمة والمعاصرة، ولا زلت أعمل عليه، فإذا كتب لنا من العمر بقيّة يكون هذا العمل مدخلا لقراءة السّيرة النّبويّة.


كما اشتريت غيرها من الكتب، وأيضا أهدتني المكتبة كتبا أخرى، وبما أنّ الشّمس اقتربت من الغروب، الأصل أن نذهب إلى الصّلاة في مسجد الأخباريين؛ إلا أنّ موعدنا في مجلس جابري الثّقافي قد اقترب، لهذا رجعت إلى النّزل، ووجدت الأستاذ فريد ينتظرني، فاستأذنته للصّلاة أولا، وودعت الأستاذ عبد الله لألتقي به صباحا.


ذهبت مع الأستاذ فريد عبد الوهاب أحمد إلى منطقة الجسرة، وهي منطقة ساحليّة قريبة من جسر الملك فهد، يسكنها أغلبيّة سنّية، وأصل موعد المجلس الثّامنة، ونحن وصلنا على بداية السّابعة مساء، وكنّا أول من وصل، وكان المجلس في مزرعة كبيرة، فاستقبلنا صاحب المكان الأستاذ أبو أيمن عناية جابري، كما التقينا بالأستاذة طاهرة جابري، وهي عضوة قديمة في جمعيّة البحرين للحدائق.

ومجلس جابري تأسس في 4 أبريل 2015م، وهو أحد المجالس النّشطة، ويوجد في البحرين أكثر من مائتين مجلسا في مختلف جوانب المعرفة، وما يتعلّق بحياة النّاس في البحرين، وسبق الحديث في إضاءة قلم (الحلقة الأولى) عن الدّيوانيات وإيجابياتها في الرّحلة الكويتيّة، والهدف من مجلس جابري كما أخبرتني الأستاذة نهى كرمستجي تعزيز التّسامح والتّعايش، ونشر ثقافة المشورة، وفتح الباب للجميع من كافّة التّوجهات الدّينيّة والفكريّة، ويستضيف المجلس شهريّا متحدّثين من خلفيات متنوعة، ومن مؤسسات المجتمع المدني، والمسؤولين في القطاع الحكومي، ورجال الدّين، والمثقفين، والكتّاب، وصنّاع القرار، ومن أهم الموضوعات الّتي ناقشها مثل تعزيز ثقافة التّسامح والسّلام، وقيم السّلام في عصر المتغيرات، والمرأة ودورها في تعزيز التّعايش.


لهذا كان صالون اللّيلة حول فضاءات التّعايش السّلمي في مملكة البحرين، وضيف اللّيلة الدّكتور صلاح بن يوسف الجودر، وهو عضو مجلس أمناء مركز حمد العالمي للتّعايش السّلمي، وعضو مجلس بلدي سابق، وكاتب في صحيفة الأيام البحرينيّة، ورئيس ومؤسس طاولة الحوار الحضاري بين الأديان والثّقافات، من كتبه الدّرة الجوهريّة، وعن تاريخ المحرق، والخطب المنبريّة في مواجهة الإرهاب والتّطرف، وقد أصدر كتابه الأخير بعنوان التّسامح والتّعايش في جنّة دلمون، وسيتحدّث في محاضرته حول هذا الكتاب كما سنرى.


ومن حسن الطّالع أنّ الشّيخ الجودر بكّر بالمجيء، فكانت فرصة أن أسجل معه حوارا سريعا حول التّعايش في جنّة دلمون، وكانت ضمن برنامج حوارات، الحلقة الثّامنة والثّلاثين، وبثّت في اليوم التّالي 10 أبريل.

في بداية اللّقاء تحدّث عن كتابه التّسامح والتّعايش في جنّة دلمون أنّه كان خلاصة سنوات عديدة لمراكز وتجمّعات ناقشت مفهوم التّعايش، والتّعايش في البحرين ليس ظرفيّا بل هو واقع يعايشه النّاس، فالكتاب سجل تأريخي يؤكد أنّ البحرين مليئة بالمراكز التّعايشيّة.


إلا أنّ البحرين في السّنوات الأخيرة عانت من بعض نداءات العنف والتّطرف والطّائفيّة وهو دخيل عليها، والتّخوّف من الطّائفيّة في البحرين عندما تأتي من الخارج، أمّا من الدّاخل فالبحرين محصّن بشكل كبير، وقد تجاوزت البحرين الطّائفيّة لتوفر ثلاثة عوامل رئيسة: القيادة السّياسيّة استوعبت الأمر، وفهمت التّدخلات الخارجيّة، والثّاني: اعتدال المعنيين بالشّأن الدّيني، في المحاضرات والخطب ونحوها، والثّالث: المحبّون للتّعايش والسّلام في مختلف المجالات كما في الشّأن الثّقافي والفكري.


والبحرين قبل مائة عام كانت فيها المذاهب قليلة، ومع الانفتاح اليوم، حيث العديد من الشّعوب أتت إلى البحرين، فأصبحت أغلب المذاهب الإسلاميّة موجودة فيها، فتوجد مثلا المذاهب السّنيّة الأربعة والجعفريّة والبهرة، والإباضيّة كانت موجودة، والآن أفراد، وفي الأديان توجد المسيحيّة واليهود والهندوس والبوذيّة والبهائيّة، لهذا توجد في البحرين مساجد ومآتم وكنائس وكنيس لليهود ومعابد، وللأديان مقاعد تشريعيّة في البرلمان وفي الحكومة.

ويرى أنّ التّعايش هو الخطّ العريض، والقاعدة الرّئيسة، مربوط بالقيم والسّياج الأخلاقي بين البشر من جهة، ومربوط بالتّسامح من جهة ثانية، ولا يتحقق تعايش بدون تسامح، ولا تسامح بدون سلام ومحبّة، وليس التّعايش إذابة مذهب في مذهب آخر، ولا يعني علو معتقد على معتقد آخر، ولكن يعني أن يكون الكلّ سواسيّة تحت مظلّة القانون، فوجود تعدديّة دينيّة ولو غريبة كالهندوس والبوذيّة يجعل المجتمع يفهم بعضه، ويخلق نسيجا اجتماعيّا تعايشيّا بعد حين.


قلتُ: تحدّثت في كتابي فقه التّطرف عن التّعايش وهو من العيش، كما بينت في كتابي إضاءة قلم (الحلقة الأولى) أنّ التّسامح لفظة متأخرة تعود إلى ما بعد حرب الثّلاثين عاما في أوروبا، واستخدم القرآن لفظة التّعارف وهي أدق لتحقيق التّعايش.

ثمّ بيّن الجودر أنّ التّعايش يقوم على أسس منها العفو والمغفرة، والثّاني الصّفح وهو كمن يقلب الصّفحة للمخطئ، والعالم اليوم يعيش في قرية واحدة، ولا يعيش بمعزل عن الآخر، فإشاعة التّعايش ضروري؛ لأنّه حال حدوث أزمة سياسيّة أو طّائفيّة تعود النّاس إلى مبدأ التّعايش، بعيدا عن هذه الصّراعات السّياسيّة والطّائفيّة.


ثمّ بيّن أنّ جلالة الملك حمد بن عيسى وضع مشروعين لتحقيق التّعايش: الأول خصّص كرسيّا في جامعة إيطاليّة للحوار، والثّاني أنشأ في شهر مارس 2018م مركز الملك حمد العالمي للتّعايش السّلمي، يعنى بالبحوث والتّنمية والوعي، ويستقطب شخصيّات من العالم، كما ينقل صورة التّعايش من البحرين إلى العالم، كما أنّ ميثاق العمل الوطني في البحرين الّذي انطلق 2001م أشار إلى حريّة المعتقد للفرد، وله حرّية اختيار الدّين والمذهب وممارسة طقوسه، شريطة عدم التّعدي على حرّية الآخرين.
وأمّا عن الدّستور البحريني فقد كفل الحريات، ومنها حرّيّة الرّأي والتّدين والطّقوس، فهي مربوطة بالمواثيق الدّوليّة في الأمم المتّحدة وحقوق الإنسان، ويمكن لأي ديانة في البحرين التّقدم بترخيص لإقامة دور عبادة.


وفي الختام يرجو الكاتب وجود لقاءات بين مختلف القيادات في دول العالم، فهاجس التّخوّف متبادل بين الشّرق والغرب، فعلى العالم تجاوز هذه المرحلة من خلال اللّقاءات خصوصا بين الأديان، فالإرهاب والتّطرف لا دين ولا مذهب له.
وأثناء اللّقاء بدأ الحضور بالتّجمع، وقد اقترب وقت محاضرة الدّكتور كما سنرى في الحلقة القادمة.